تم ضبط التسجيلات والعقود والصور، وتم توثيق إصابات مريم، والتحقيق مع مدحت وأمه وكل من ثبتت علاقته بالأوراق. والأهم… إن التسجيل القديم كشف التلاعب في القضية التي ظن الجميع أنها انتهت. بعد شهور من التحقيقات، ظهرت الحقيقة كاملة. مريم لم تكن متهمة. كانت الشاهدة التي حاولوا إسكاتها. ومدحت لم يكن صاحب القرار. كان مجرد شخص تورط في تنفيذ أوامر ظنًا منه أنه يستطيع الإفلات.
أما أنا… ففتحت صندوقي الحديدي لأول مرة منذ سنوات، ووضعت داخله كل شيء يخص القضية. لكن هذه المرة لم أخبئه. أغلقت الصندوق، وقلت لمريم أنا قضيت عمري أحارب عشان الناس تعرف الحقيقة. ابتسمت وقالت وأنا اتعلمت منك إن الحقيقة ممكن تتأخر… بس لازم تفضل موجودة. وبعدها بشهور، رجعت مريم لشغلها. ورجعت أنا لحياتي الهادية. العربية الشاهين لسه عندي. والكوبونات لسه موجودة. والجيران لسه فاكرين إني مجرد أرملة كبيرة عايشة في هدوء.
لكن كل ما حد يسألني إنتِ كنتِ بتشتغلي إيه قبل المعاش؟ أبتسم وأقول شغلانة علمتني حاجة واحدة… ثم أبص لمريم وأقول إن أخطر حاجة على اللي بيخطط في السر… إن الضحية تفضل فاكرة التفاصيل. ومريم كانت أكتر واحدة فاكرة. لأنها من أول لحظة… ما كانتش ضعيفة. كانت فقط مستنية أمها تصدقها وصلنا للبيت القديم بعد منتصف الليل.
كان المكان مهجور من سنين، والبوابة الحديد عليها طبقة تراب سميكة. نزلت من العربية وبصيت للبيت. نفس البيت اللي عشت فيه أول سنين خدمتي. نفس الشباك اللي كنت براقب منه الشارع وأنا لسه ضابطة صغيرة. لكن اللي شد انتباهي إن باب البيت كان مفتوح. قلت للضابط محدش يدخل قبلي. دخلنا بحذر. الهواء كان مليان ريحة تراب ورطوبة. مشينا لحد الصالة. وفجأة اشتغل جهاز تسجيل قديم من تلقاء نفسه.
صوت رجل خرج من السماعة يا إلهام… لو سمعتي التسجيل ده، يبقى كل اللي حصل لبنتك كان مجرد بداية. مريم قربت مني. الصوت كان مألوفًا جدًا. صوت رئيسي القديم. الرجل اللي قيل إنه مات من سبع سنين. قال القضية القديمة ما اتقفلتش لأن الأدلة اختفت. سكت لحظة. اتقفلت لأن حد من داخل الإدارة غيّر التقرير. قلبي انقبض. والشخص اللي غيّر التقرير كان عارف إنك هتوصلي للحقيقة يومًا ما. ظهر تسجيل آخر. صوت ورق بيتقلب.
ثم جملة لو عايزة تعرفي مين، افتحي الدرج السفلي في مكتبك القديم. بصيت لمريم. قالت المكتب لسه موجود؟ قلت موجود. دخلنا الغرفة. كان المكتب الخشبي القديم في مكانه. فتحت الدرج العلوي. فاضي. الثاني. فاضي. الثالث. فاضي. لكن الدرج السفلي كان مقفول. أخرجت المفتاح الصغير اللي وجدناه. دخلته. فتح. جواه ملف أسود.
وعلى الغلاف مكتوب مريم يُفتح عند الضرورة. إيدي تجمدت. ليه اسم بنتي؟ فتحت الملف. أول ورقة كانت شهادة ميلاد مريم. لكن تحتها كانت ورقة أخرى. تقرير قديم عن واقعة حصلت يوم ولادتها. قرأت السطر الأول. ثم توقفت. لأن التقرير كان بيقول إن في شخصًا حضر إلى المستشفى في نفس الليلة، وطلب مقابلتي.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.