لعنة اللحمة المسمومة حكايات زهرة الربيع

نُشر منذ 6 أيام
حفظ
غلاف المقال

. ده مش إنسان. سكتنا، والسكون بقى تقيل لدرجة إننا بقينا سامعين دقات قلب بعض. الخبط على باب الشقة مكنش عشوائي، كان خبطات موزونة.. تك.. تك.. تك.. خبطات جنائزية. صوت مألوف جداً، صوت الحاج عبد العزيز، بس من غير أي حنية، صوت طالع من حنجرة مدفونة في الطين يا أحمد يا ابني.. الأكل برد، والضيوف مستنيين.. إنت صاحب البيت، ومينفعش الضيف يدخل والراجل غايب.

بصيت لرانيا، لقيتها بتتشاهد، مسكت بنتنا وضميتها لحضني، دخلت على المطبخ وأنا مقرر إني مش هفتح الباب مهما حصل. لقيت السكاكين كلها مرصوصة على الرخامة بشكل دائري، وفي نص الدائرة، كان فيه طبق صيني قديم، فيه حتة لحمة واحدة.. نية، طازة، وبتنبض! بصيت للطبق وصرخت مش هاكل! مش هلمسها! فجأة، الباب اللي ورايا اتفتح على مصراعيه، مش باب الشقة، لأ.. باب العدم.

شفت الحاج عبد العزيز وتامر وأمي واقفين في الطرقة، ملامحهم باهتة زي صور قديمة محروقة، بس عنيهم كانت بتلمع بشراسة جوع أبدي. الحاج عبد العزيز بص لي وقال ببرود يا ابني، اللحمة دي مش بس لحمة.. دي الندر اللي ورثناه عن أجدادنا، والبيت ده اتبنى على أساس إن كل جيل لازم يطعم الكيان اللي حامي البيت.. إنت هربت، فجعت الكيان، والنهاردة هو جاي ياخد نصيبه من الجيل الجديد. أشار بإصبعه لبنتي اللي في حضني.

قلبي اتوقف، إحساس بالعجز وصل لمرحلة الجنون. رميت بنتي في حضن رانيا وزقيتها ناحية البلكونة نطي! نطي يا رانيا! رانيا صرخت مش هسيبك! نطييييي! رميتها، وشفتها وهي بتتعلق في حديد البلكونة وتتشعبط عشان توصل للجيران، بس قبل ما تلف وشها، شفت إيد سودة طالعة من سقف البلكونة، إيد طويلة جداً، مسكت رقبة بنتي. في اللحظة دي، فقدت السيطرة.

مسكت سكينة من الرخامة، بس بدل ما أهجم عليهم، غرزتها في اللحمة اللي في الطبق، وبدأت أقطع فيها بجنون، وأنا بصرخ لو دي اللعنة.. يبقى هنهيها هنا! كل قطعه كنت بقطعها من اللحمة، كنت بسمع صرخة بتطلع من جسم الحاج عبد العزيز، جلده كان بيتقطع مع كل حركة مني. رانيا في البلكونة صرخت صرخة عالية، والكيان اللي كان ماسك بنتي سابها ووقع في الشارع، بس وقع زي كتلة لحم مش زي بني آدم.

البيت بدأ ينهار، السقف بقى يقع قطع جبس كأنها عضم، والحيطان بدأت تنزف سواد. بصيت للحاج عبد العزيز، كان بيتحول لتراب، وتامر وأمي بدأوا يختفوا كأنهم دخان ملوش أصل. وقبل ما السقف يطبق علينا، مسكت رانيا وبنتنا، وطلعت أجري على السلم، السلم كان بيتمط، بيطول، بيقصر، بس فضلت أجري وأنا بسمع صوت ضحكة أخيرة جاية من تحت الأرض الدين ما اتسدش يا أحمد.. لسه فيه وجبة تانية، والمرة الجاية.

. المائدة هتكون في جهنم. خرجت للشارع، النور كان بيطلع، الناس بدأت تظهر، والبيت القديم.. اللي كنا فيه، اختفى، مكانه كان مجرد أرض فاضية، خربة قديمة، مفيش فيها أي أثر لحياة، كأنها مكنتش موجودة أصلاً. بصيت لرانيا وبنتي، كانوا بيتنفسوا، والهدوء رجع للدنيا، بس لما لمست إيدي عشان أمسح العرق، لقيت صباعي بيطلع منه خيط أسود صغير، زي الخيط اللي كان مخيط بوقي.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
Donia Ashraf

Donia Ashraf موثّق ✦ ناشر

كاتب

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
669مقالًا 3متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة

بعد ما تبرعت روايات

بعد ما تبرعت

بعد ما اتبرعت بدم عشان أنقذ جوزي المستقبلي، لمحت اسمي مكتوب على كيس الدم جوه صندوق تبريد. …

Donia Ashraf 0.0 8 دقائق
الحلاق ابني روايات

الحلاق ابني

الحلاق بتاع ابني اللي عنده 9 سنين وطى عليا بعد ما خلص حلاقة وهمسلي لما تروحي البيت بصي ورا…

Donia Ashraf 0.0 13 دقائق