أحمد.. ما تبقاش جلده، قولتلك خلي إيدك فرطة.. العشا جاهز، والكل مستنيك. بصيت لرانيا، كانت واقفة ورا بنتها، ملامحها ميتة تماماً، وبنتنا كانت قاعدة على الكرسي في نص الصالة، بتلعب بقطعة لحمة صغيرة في إيدها، وبتبتسم لي ابتسامة عريضة، لدرجة إن خديها اتشققوا وبان منهم سنانها اللي بقت حادة زي القواطع. حاولت أصرخ، بس لقيت بوقي بيتخيط بخيوط سوداء طالعة من الحيطة. لقيت نفسي بقرب من المائدة، رجليه بتتحرك لوحدها، والشهوة بدأت تسيطر على عقلي.
. مش شهوة الأكل، لأ.. شهوة الانتماء للدايرة دي. عرفت وقتها إن مفيش خروج، إن اللي داق اللعنة مرة، بقى جزء من نسيجها. قعدت على الكرسي، والكرسي كان ساقع زي التلج. رانيا حطت قدامي طبق، والطبق كان فيه حتة لحمة بتنزف دم سخن. بصيت للطبق، وبصيت لعيلتي اللي بقت كيانات محبوسة في اللعنة دي. كل يا أحمد.. قالتها رانيا، وصوتها كان صوت عيلة كاملة بتنادي على واحد منهم. رفعت الشوكة، وإيدي كانت بتترعش.
في اللحظة اللي كانت فيها الشوكة هتلمس اللحمة، سمعت صوت خبط على باب الشقة الحقيقي.. خبط خفيف، منتظم، ومطمن. صوت أذان الفجر كان طالع من بعيد، والضوء بدأ يتسرب من تحت باب الشقة. الكيانات اللي قدامي اتوترت، والبيت كله بدأ يتهز. ده مين؟ سألت بصوت مبحوح، صوتي كان طالع بالعافية من تحت الخيوط السوداء. تامر اتشنج، وقال بصوت فحيح ده اللي مش معزوم.. ده اللي بيفسد الوليمة.
الباب اتفتح، مش بلمسة حد، الباب اتفتح لوحده.. ودخل منه نور أبيض قوي، نور غريب، مسح الضلمة والريحة والكيانات في لحظة. لقيت نفسي مرمي في نص الصالة، والبيت فاضي تماماً، رانيا وبنتي كانوا نايمين في أوضتهم، والهدوء كان مالى المكان. بصيت للأرض، ملقتش شنطة، ملقتش لحمة، مفيش أي أثر. قمت وقفت، جسمي مكسر كأني كنت في معركة حقيقية. دخلت أوضة النوم، لقيت رانيا وبنتي نايمين بسلام.
بس لما رحت للمراية عشان أشوف وشي، لقيت على ركبتي آثار عض قديم، وعيني.. عيني كان فيها لمعة خفيفة باقية من اللون الأحمر. عرفت وقتها إن اللعنة ما انتهتش، هي بس اتأجلت، وإنهم مستنيين الوقت اللي هكون فيه لوحدي، عشان يكملوا العزومة اللي بدأت من سنين. وفتحت درج المكتب، لقيت فيه ورقة صغيرة مكتوب فيها بخطي أنا بكرة.. العزومة الجاية في بيتك الجديد.
........... وقفت قدام المراية ويدي بتترعش، مسكت الورقة اللي بخطي وبدأت أفركها بصوابعي.. كانت حقيقية، حبر لسه طري، ريحته زي ريحة دم تامر. رميت الورقة في الحوض وفتحت المية بجنون عشان أمحي أثرها، بس المية اللي نازلة من الحنفية مكنتش مية، كانت دم أسود تقيل لزج، ريحته بتفحفح في الحمام وبتملى المكان بخنقة الموت.
اتراجعت لورا خبطت في الباب، لقيت المطبخ اتفتح لوحده، وصوت طقطقة تقطيع اللحم رجع تاني.. سكاكين بتخبط على خشب، ريحة سلق لحمة نفاذة لدرجة إن عيوني دمعت. مكنش في وقت للمنطق، جريت على أوضة رانيا وبنتي، فتحت الباب لقيتهم نايمين، بس الملايات كانت متغطية بقع سوداء صغيرة بتنتشر زي الفطريات. هزيت رانيا بعنف رانيا! قومي! لازم نمشي حالا! رانيا فتحت عينيها، عينيها كانت طبيعية، مفيش فيها اللون الأحمر، بس كانت مليانة رعب بيبص ورايا.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.