بصيت لورقة اللي كانت في جيبي اللي كنت لسه ماسكها، افتكرت كلام حماتي أسبوع، ورجعت بصيت للحلة اللي سحبتني ليها ريحة الموت، افتكرت إنها كانت دايماً بتقول إن اللحمة دي كانت ندر، اللحمة اللي بتيجي في وقت النُفاس بتبقى لحمة مربوطة، ومينفعش حد يلمسها غير اللي الندّر ليها، واللحمة دي كانت مطعمَة بحاجات تمنع أي حد غريب يقرب منها، كان المفروض تستنى أسبوع عشان الروح اللي فيها تهدى وتخرج منها، وأبويا بقلة صبره كسر الختم.
فجأة، تامر وقف وشد في شعره بقوة لدرجة إني سمعت صوت جلده بيتمزق، وبدأ يصرخ صرخة هزت أركان البيت، وأمي اللي كانت بتعيط جنب أبويا فجأة سكتت تماماً، التفت لها لقيتها قاعدة وباصة للسقف، وعيونها مبيضة تماماً، وبدأت تتمتم بكلام مش مفهوم، كلام لغة قديمة تقيلة على الودن، في اللحظة دي، النور طفى في البيت كله، وما بقاش فيه غير صوت أنفاسهم العالية، صوت أنفاس مش بشرية، صوت تزييق خشب، وصوت رانيا من فوق بتصرخ صرخة واحدة وبعدها حل صمت قاتل.
أنا مش عارف أتحرك، مش عارف أهرب، البيت بقى مسجون في حاجة تانية، حاجة أقدم مننا كلنا، وكل اللي في دماغي دلوقتي هو السؤال اللي رن في ودني قبل ما الدنيا تضلم تماماً هو أنا لسه عايش.. ولا أنا كمان بقيت جزء من الوجبة؟ ......... الضلمة كانت تقيلة، ريحة كبريت وشياط كانت خانقة لدرجة إني بدأت أحس بصدري بيتحرق مع كل نَفَس.
فضلت واقف في مكاني، أسناني بتخبط في بعض، مش قادر حتى أفتح بوقي أستغيث. فجأة، سمعت صوت تكة خفيفة، صوت باب خشب بيفتح ببطء في الدور اللي فوق، صوت خطوات رانيا.. بس الخطوات كانت غريبة، كانت تقيلة ومسطحة، زي ما يكون حد ماشي برجله العارية على البلاط ومبلولة حاجة لزجة.
طلعت أجري على السلم، مكنتش شايف قدامي غير خيالات سوداء بتتحرك، وصلت الدور اللي فوق ودفعت باب الشقة اللي رانيا كانت مستخبية فيه، المطبخ كان مفتوح، وبصيت ناحية أوضة النوم، النور كان مطفي، بس كان فيه ضوء خافت جاي من الشباك بيوريلي رانيا واقفة قدام السرير، ضهرها ليا، وبنتنا الصغيرة في إيدها، بس الغريب إن البنت كانت ساكتة تماماً.
. ساكتة بزيادة. رانيا؟ صوتي طلع مخنوق ومترعش. رانيا لفت ببطء.. وشهقت لدرجة إن روحي كانت هتطلع. ملامح رانيا كانت هي هي، بس عينيها.. عينيها كانت بتلمع في الضلمة بلون أحمر قاني، وبقها كان فيه أثر دم، والأسوأ.. إنها كانت بتبتسم ابتسامة عريضة مش طبيعية، شفايفها مشدودة لأقصى درجة. أحمد.. قالتها بصوت مش صوتها، كان مزيج من صوتها وصوت راجل عجوز، اللحمة كانت طعمها حلو أوي يا أحمد.
. بس كانت ناقصة حاجة واحدة. بصيت في إيدها، مكنتش شايلة بنتنا، كانت شايلة كتلة ملفوفة في قماشة بيضاء، والكتلة دي كانت بتتحرك.. بتنبض زي ما يكون قلب حي. رجعت لورا خطوة، خبطت في الدولاب، لقيت رانيا بتنط ناحيتي بسرعة جنونية، مكنتش بتمشي، كانت بتتشقلب في الهوا زي ما يكون فيه خيوط ماسكاها من فوق.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.