لعنة اللحمة المسمومة حكايات زهرة الربيع

نُشر منذ 6 أيام
حفظ
غلاف المقال

مديت إيدي وخدت بنتي من على السرير، كانت نايمة بعمق كأنها ما حستش بحاجة، بس جسمها كان دافي بطريقة غريبة. رانيا وقعت على الأرض، منهكة، والكيانات اللي كانت سكنة جسمها خرجت في صورة دخان أسود اتلاشى في سقف الأوضة. بصيت من الشباك، الشارع كان فاضي، بس النور اللي في بيت أبويا تحت طفى خالص، ورجعت الدنيا طبيعية، كأن ما حصلش حاجة.

لكن لما نزلت أنا ورانيا بالبنت، وخرجنا من باب البيت، سمعت صوت همس ورايا، صوت أبويا، بس المرة دي كان صوته الحقيقي، صوت راجل عجوز مكسور يا ابني.. اللي بياكل حق غيره، بياكل من كفنه قبل ما يلبسه. مشيت من غير ما ألتفت، سيبت ورايا البيت، واللحمة، والعيلة اللي طمعها كان هيغرقنا كلنا. ركبت العربية وأنا بلمس مكان الجرح اللي اختفى، بس بقالي أثر في قلبي..

عرفت وقتها إن فيه حاجات في الدنيا نذر ما ينفعش حد يلمسها، وإن فيه أسرار البيوت لما بتطلع للعلن، مش بتخرب البيوت بس.. دي بتمحي أصحابها من الوجود. وصلت بيت أهل رانيا مع أول ضوء للفجر، دخلت عليهم وأنا شايل بنتي، لقيت حماتي مستنياني عند الباب. بصت لي بعينين فاهمة كل حاجة، وما سألتش فين اللحمة، ولا فين العيلة. بس وهي بتاخد مني البنت، لمست إيدي وقالت بصوت واطي الندم هو اللي نجاك يا أحمد.

. بس خلي بالك، اللعنة اللي بتخرج من البيت، بتدور دايماً على بيت جديد.. ابعدوا عن المكان ده، وما تدوروش على اللي حصل للي فضلوا جوه. ومن يومها، أنا ورانيا سافرنا، وما رجعناش لورا أبداً. لكن في كل مرة بنشم فيها ريحة لحمة مشوية، بنبص لبعض برعب، وبفتكر صوت تامر وهو بيقول طعمك طري.. وبحس إن فيه حد لسه مستنينا، في مكان ما، بياكل ويستنى دورنا في الوجبة اللي جاية.

السنين عدت، وبنينا حياة جديدة بعيد عن كل حاجة، بس الذاكرة زي الوشم، ما بتمسحش. رانيا بقت دايماً بتصحي بالليل مفزوعة، والندبة اللي كانت على كتفي مكان عضّة الكيان، كانت بتنور وتوجع كل ما نقرب من مناسبة أو ريحة معينة، كأنها بوصلة بتحذرني إنهم لسه موجودين، بيراقبونا من ورا حجاب الزمن. في ليلة شتويّة، واحنا قاعدين في أمان، جرس الباب رن.

رانيا اتجمدت في مكانها، وبنتنا اللي كبرت وبقت في المدرسة جريت تفتح من غير ما تستوعب الخطر. قلبي وقع في رجلي. جريت وراها، وبصيت من العين السحرية، لقيت راجل غريب لابس بالطو تقيل، وواقف ضهره للباب، وفي إيده شنطة بلاستيك سودة، مربوطة بنفس الطريقة اللي كانت مربوطة بيها لحمة حماتي زمان. صوته طلع خشن ومكتوم من ورا الباب أحمد.. صاحب البيت اللي فات باعتلك الأمانة.

قالك إن دي تكملة العزومة اللي ما كملتش، والواجب ما يتردش ناقص. الدم جمد في عروقي. بصيت لرانيا اللي كانت بتبصلي بانهيار، والسكينة اللي في المطبخ كانت قدامي، بس إيدي مكنتش قادرة تتحرك. الراجل ساب الشنطة قدام الباب ومشي بخطوات تقيلة، غريبة.. زي خطوة تامر يوم الكارثة. فتحت الباب ببطء، مفيش حد في الطرقة، غير الشنطة السودة اللي بتنقط دم أسود على السجادة، وبتطلع نفس ريحة العفن اللي عرفتها من سنين.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
Donia Ashraf

Donia Ashraf موثّق ✦ ناشر

كاتب

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
669مقالًا 3متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة

بعد ما تبرعت روايات

بعد ما تبرعت

بعد ما اتبرعت بدم عشان أنقذ جوزي المستقبلي، لمحت اسمي مكتوب على كيس الدم جوه صندوق تبريد. …

Donia Ashraf 0.0 8 دقائق
الحلاق ابني روايات

الحلاق ابني

الحلاق بتاع ابني اللي عنده 9 سنين وطى عليا بعد ما خلص حلاقة وهمسلي لما تروحي البيت بصي ورا…

Donia Ashraf 0.0 13 دقائق