الصالة كلها كانت غرقانة في صمت تقيل، مافيش فيه غير صوت انفاس صالح الصغير وهو نايم في سريره بكل براءة، مش داري بالدنيا ولا بالصراع اللي اتخلق عشان ييجي للدنيا دي. حسن كان واقف جنب الباب، ضارب إيديه في جيبه، عينيه بتتنقل بين أخته الواقعة على الأرض وبين مراته اللي انظلمت شهور طويلة. ما اتكلمش، ساب المنظر هو اللي يعبر، وساب القصاص الإلهي يتكلم عن نفسه.
أنا بصيت لنعمة.. قلبي في اللحظة دي اتعصر. أنا يتيمة، وعارفة يعني إيه كسرة النفس، وعارفة يعني إيه الوحدة لما الدنيا تقفل أبوابها في وش البني آدم. رغم كل العذاب اللي شفته منها، ورغم الكلمات اللي كانت بتنزل على قلبي زي السكاكين في الشهر التاسع، ما قدرتش أشوفها بالمنظر ده وأشمت فيها. مديت إيدي بالراحة، ومسكت إيد نعمة وهزيتها عشان تقوم: «قومي يا نعمة.
. قومي يختي ما تصغرنيش قدام جوزي وأهلك. أنا مش شامتة فيكي، ولا يفرحني إن بيتك يتخرب أو تتدوقي من نفس الكأس اللي شربت منه.» نعمة رفعت رأسها بذهول، دموعها كانت مغرقة وشها، وقالت بصوت بيترعش: «بعد كل اللي عملته فيكي يا هدى؟ بعد ما حرضت حسن عليكي وعايرتك بقلة أهلك؟ بتمديلي إيدك وتناديني يختي؟!
» ابتسمت بكسرة وصدر واسع وقلت لها: «ربنا هو اللي بياخد الحقوق يا نعمة، وأنا سلمت أمري لربنا من أول يوم دخلت فيه البيت ده. يتيمة أه.. بس ربنا هو اللي كان أهلي وسندي. وأنتِ غلطتي في حق نفسك قبل ما تغلطي في حقي، خربتي بيتك بإيدك عشان غل وعتَب مالهمش لزمة. بس أنا مسامحاكي.. مسامحاكي لله ثم عشان خاطر حسن وصالح.
» حماتي قربت مني بخطوات سريعة، ونزلت على ركبتها هي كمان، أخدت إيدي بين إيديها الاثنين وبستها وهي بتبكي بحرقة وتقول: «سامحيني يا بنتي.. حقك عليا يا هدى.. أنا اللي عميت عين بنتي وسخنتها، أنا اللي كنت فاكرة إن قسوتي عليكي هي اللي هتضمن لي ابني. اكتشفت إنك أنتِ اللي صنتي ابني وعرضه وحفظتيه في غيابه ورعيتيه، وأنا اللي كنت هخرب بيته بإيدي.
أنتِ مش يتيمة يا هدى.. أنتِ بنتي الكبيرة، وحقك عليّ وعلى راسي ليوم الدين!» حسن في اللحظة دي، نزلت دمعة صامتة من عينه. قرب مننا، مسك إيد أمه وإيد أخته وقفهم على رجليهم، وبص لأمه وقال بصوت هادي مليان حسم ورجولة: «أمي.. أنتِ فوق راسي ودعائك هو اللي ممشيني في الدنيا، بس زي ما قلت لك، بيتي له حرمة.
هدى صانتني واستحملت اللي ما يتحملوش بشر، والنهاردة أثبتت إنها أعظم وأكبر من أي إساءة اتوجهت لها. نعمة هتفضل في شقتك تعززيها وتكرميها، وبكره الصبح أنا والحاج متولي هنروح لحسام جوزها، وقسمًا بالله لو ليه حق هنرجعهوله، ولو افترى عليها هنجيب حقها منه بالشرع والأصول، عشان هي بنت ناس وليها رجالة يتشد بيهم الظهر.» نعمة اترمت في ح. ضن حسن وهي بتبكي وتقول: «سامحني يا حسن..
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.