دخلت مكتبه، وضعت الملف الشامل أمامه على الطاولة وقلت بهدوء وثبات: “أستاذ فاروق، ده تقرير إعادة الهيكلة للمشروع المتعثر، ومرفق معاه الدلائل المستندية لعملية اختلاس وغسيل أموال تجاوزت العشرة ملايين جنيه، أبطالها شبكة توريدات وهمية ومديرها المالي السابق.. حسام الفولي.” فتح الأستاذ فاروق الملف، وبدأ يطالع الأوراق بدقة، وكلما قمت بشرح آلية التتبع المالي والتلاعب في الفواتير، كانت علامات الذهول والإعجاب تظهر على وجهه.
بعد نصف ساعة من التحليل الدقيق، ألقى الملف على الطاولة ونظر إليّ باحترام شديد: “أنتِ عبقرية يا شهد! الملف ده كان هيودّي الشركة في داهية ويسبب لنا خسائر مهولة! التحقيق ده مش بس هيحمي الشركة، ده هيقفل المخرج الأخير للشلة دي قدام مباحث الأموال العامة.” ثم صمت قليلاً وسألني بنبرة ذكية: “بس أنا عارف إن اسم ده هو نفس اسم طليقك اللي كان في الأخبار من شهرين.. صح؟
” رفعت رأسي بثقة وقلت: “صح يا فندم. وكان بياخد شقايا وتوفيراتي عشان يغطي بيها على العجز قبل ما الشبكة تنكشف. بس الحق ما ، والقانون لازم ياخد مجراه سواء كان يخصني أو يخص الشركة.” ابتسم الأستاذ فاروق وقام من مقعده ليصافحني بحرارة: “برافو يا شهد. شجاعتك ونزاهتك ودقتك حاجة نادر نلاقيها. بناءً على التقرير ده، الشركة قررت إحالة الملف فوراً للنيابة العامة ومباحث الأموال العامة للانضمام للقضايا المرفوعة ضد حسام وشبكته.
وأضف على ده، مجلس الإدارة قرر ترقيتك لمدير قطاع الرقابة المالية وإعادة الهيكلة بالشركة، مع مكافأة مالية ضخمة تعويضاً عن جهدك في استرداد أموال الشركة!” خرجت من مكتبه وأنا أشعر بأن السماء تكافئني على كل قطرة عرق وكل لحظة ألم. في عصر اليوم نفسه، تم تحريك بلاغ عاجل من مباحث الأموال العامة بناءً على التقرير الذي أعددته بنفسي.
وبذلك، تحولت قضايا حسام من مجرد ديون وشيكات فردية، إلى قضية أموال عامة واختلاس كبرى لا مناص فيها من المشدد لسنوات طويلة، وتجميد شامل لجميع حسابات أمه ثريا التي اتضح أن الحسابات الوهمية كانت مسجلة باسمها الأموال! في مساء اليوم التالي، وأنا أغادر مقر الشركة، وجدت مروة تنتظرني عند البوابة الرئيسية. كانت ملامحها مدمجة بالكامل، تبدو كمن تلقت ضربة قاضية أجهزت على ما تبقى من أمل لديها.
“شهد…” قالتها بصوت مرتعش وهي تخطو نحوي. وقفت وأنا أضع يدي في جيبي معطفي، ونظرت إليها بنبرة هادئة: “خير يا مروة؟ أظن أخذتي حاجتك ورجعتي لي حقي والقصة انتهت.” انفجرت مروة في البكاء الصارخ أمام المبنى: “انتهت إيه يا شهد؟! الأموال العامة نزلت الشمع الأحمر على بيت ماما وحظرت حساباتها في البنوك!
النيابة ضمّت بلاغ الشركة اللي أنتِ قدمتيه لقضية حسام، والدكاترة قالوا إن حسام جاتله في السجن لما عرف إن التهم بقت اختلاس أموال عامة وغسيل أموال! وماما هتاخد حكم جديد بسبب الحسابات المسجلة باسمها! ليه يا شهد؟ ليه كده؟!” نظرت إليها بعينين خاليين تماماً من ، بل بمزيج من العدالة والصمود القاطع. “أنا ما دمرتش حد يا مروة،” قلتها بصوت ثابت سمعته كل جنبات المكان.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.