الآن، تحررت من آخر خيط كان ممكن يربطني بيهم أو يهدد مستقبلي. مشيت في الصالة الجديدة، وبصيت من الشباك على السما. حسيت إن كل خطوة خطيتها في الرحلة دي، من لحظة الخروج من عند المأذون والرد بـ “تمام، مبروك” على كذبته، لحد اللحظة دي.. كانت إثبات إن المرأة لما تقرر تشتري نفسها وتوقف الابتزاز، ما فيش قوة في الدنيا تقدر تكسرها. لكن القصة ما انتهتش هنا.
. لأن الحياة كانت مجهزة لي مفاجأة ثانية كلياً في شغلي ومستقبلي، مفاجأة هتقلب كل الموازين. مر شهران كاملان على تلك الأحداث. شهران كانا كفيلين بإعادة تشكيل حياتي من جديد، ليس فقط على المستوى النفسي والشخصي، بل على المستوى المهني والمالي أيضاً. شقتي القديمة أصبحت تحفة معمارية مودرن تزينها الألوان الفاتحة والإضاءة الدافئة، خالية تماماً من أي ذكرى لـ “حسام” أو “ثريا”.
أقفلت صفحة الماضي بكل قسوتها، واسترددت ذاتي الشغوفة والطموحة التي كانت قد اختفت تحت ركام سنوات التقتير والحرمان. في مقر الشركة الكبرى التي أعمل بها كاستشارية إدارية وتخطيط مالي بالقاهرة، كنت أجلس في مكتبي أراجع أحد أكبر المشاريع العقارية والاستثمارية المتقدمة للشركة. كان المشروع يعاني من تعثر مالي وإداري ضخم بسبب سوء إدارة سابقة وتورط بعض الأطراف في قضايا فساد وتستر، وكانت مهمتي هي وضع خطة إعادة هيكلة شاملة وتتبع أي شبهة اختلاس أو تلاعب في الأوراق.
بينما كنت أغوص في مراجعة العقود والتحويلات البنكية القديمة الخاصة بالمشروع، استوقفتني حركة مالية غريبة. تحويلات ضخمة كانت تخرج من حسابات الشركة الفرعية لحساب مؤسسة وهمية للتوريدات تحت مسمى “استشارات تطويرية”. بدأت أتتبع الأرقام والأسماء بنفس الشغف والدقة التي تعلمتها في تجاربي الشاقة. وفجأة، سقطت عيني على اسم الشخص المسجل كمدير تنفيذي وتوقيعه على هذه العقود المحررة قبل ستة أشهر فقط!
تسمرت عيني على الورقة… الاسم كان: “حسام أحمد الفولي”! اتسعت عينيّ بذهول وشعرت بموجة من الغضب والدهشة تتملكني. حسام لم يكن مجرد رجل يمر بأزمة ديون شخصية أو طيش شبابي، بل كان جزءاً من شبكة غسيل أموال منظمة استهدفت الشركة التي أعمل بها بالذات، واستغل عمله السابق في قطاع المبيعات ليغطي على معاملاته !
الأفظع من ذلك، أن التواريخ المكتوبة في أصل العقود أثبتت أنه كان يختلس هذه المبالغ ويحولها لحسابات أمه ثريا وحساباته الشخصية في نفس الفترة التي كان يحرمني فيها من أبسط حقوقي في المنزل، ويدعي الفقر والزنقة المالية ليأخذ من روابي وتوفيراتي بحجة “توضيب ” و”تأمين المستقبل”! لم أتردد لحظة واحدة. جمعت كافة الوثائق المستندة بالأدلة القاطعة، وطلبت اجتماعاً عاجلاً مع رئيس مجلس إدارة الشركة، الأستاذ فاروق، وهو رجل سبعيني يتمتع بذكاء حاد وهيبة شديدة.
دخلت مكتبه، وضعت الملف الشامل أمامه على الطاولة وقلت بهدوء وثبات: “أستاذ فاروق، ده تقرير إعادة الهيكلة للمشروع المتعثر، ومرفق معاه الدلائل المستندية لعملية اختلاس وغسيل أموال تجاوزت العشرة ملايين جنيه، أبطالها شبكة توريدات وهمية ومديرها المالي السابق.. حسام الفولي.” فتح الأستاذ فاروق الملف، وبدأ يطالع الأوراق بدقة، وكلما قمت بشرح آلية التتبع المالي والتلاعب في الفواتير، كانت علامات الذهول والإعجاب تظهر على وجهه.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.