دخل راجل في أواخر الأربعينات، لابس بدلة رسمية، وعرّف نفسه إنه مدير المشروعات الصحية في مجموعة البناء والتعمير. قال الأستاذ شريف قرأ تقريرًا عن شغلك في إدارة حالات الطوارئ، وعايز يعرض عليكي المشاركة في مشروع جديد. سألته عن طبيعة المشروع. شرحلي إن المجموعة بتجهز مركزًا طبيًا كبيرًا، وعايزين فريق متخصص يساعد في تصميم نظام الطوارئ، وتدريب الطاقم الطبي، ووضع بروتوكولات التعامل مع الحالات الحرجة.
الأمر مكنش وظيفة سهلة ولا عرضًا عاديًا، لكنه كان فرصة مهنية كبيرة. قلتله أنا مهتمة أعرف التفاصيل، لكن لازم أراجع إدارة المستشفى بخصوص أي تعارض مع شغلي الحالي. ابتسم وقال وده بالضبط اللي الأستاذ شريف متوقعه من حضرتك. هو مش عايز حد يسيب مسؤولياته، هو عايز حد فاهم قيمة المسؤولية. بعد ما مشي، فضلت أفكر في كلامه.
كنت طول عمري باجتهد في شغلي، لكن حياتي بعد الجواز بدأت تتحول لمعركة على حقي في اتخاذ أبسط القرارات. وفجأة، لقيت قدامي فرصة تثبتلي إن حياتي أكبر من الخلاف ده كله. في المساء، اتصلت بيا منى. توتا، إنتِ فين؟ عند أهلي. إيه؟! حصل إيه؟ حكيتلها اللي حصل، وبعدها حكيتلها عن العرض اللي وصلني. صړخت من الفرحة إنتِ بتتكلمي بجد؟! ده ممكن ينقلك لمستوى تاني خالص! ضحكت لأول مرة من يومين.
لسه هدرس التفاصيل يا منى. قالت بجدية اسمعي مني. إنتِ مش محتاجة تثبتي لأي حد إنك ناجحة، إنتِ بالفعل ناجحة. لكن محتاجة تختاري الناس اللي يقدروا نجاحك بدل ما يحاولوا يصغروه. قفلت معاها، وفتحت اللابتوب عشان أراجع ملفاتي المهنية. وبينما أنا براجع الإيميلات، وصلتني رسالة من رقم مش مسجل. دكتورة توتا، أنا محتاج أتكلم معاكي في موضوع يخص لؤي ووالدته.
الموضوع مهم، وأعتقد إن من حقك تعرفي الحقيقة قبل ما تاخدي أي قرار. فضلت باصة للرسالة. وبعدين كتبت حضرتك مين؟ الرد جه بسرعة أنا محاسب سابق في الشركة اللي بيشتغل فيها لؤي. وفيه حاجة لازم تعرفيها عن فلوسه، وعن السبب الحقيقي اللي خلّى والدته تسألك عن مرتبك قبل الجواز. قلبي دق بسرعة. كتبتله أنا ممكن أقابلك بكرة في مكان عام.
لكن لو الموضوع مجرد محاولة لتشويه صورة حد، مش هضيع وقتي. رد متفقين. هبعتلك المكان والوقت. قفلت الموبايل، وبصيت لأمي اللي كانت داخلة عليا بكوباية شاي. سألتني فيه إيه يا توتا؟ وشك اتغير ليه؟ قلت لها مش عارفة يا ماما، بس حاسة إن موضوع المرتب ده مش هو الحكاية كلها. وفي الليلة دي، لأول مرة من ساعة ما اتجوزت، بدأت أشك إن المشكلة مش في حماتي بس.
يمكن لؤي نفسه كان مخبي عني حاجة كبيرة. وحاجة زي دي، لو طلعت حقيقية، مش هتكون مجرد خلاف عائلي. هتكون بداية النهاية لكل حاجة كنت مصدقاها عنه. الجزء الخامس السر اللي خلاني أعيد حساباتي في جوازي كله! تاني يوم، بعد ما خلصت شغلي، رحت الكافيه اللي الراجل حددهولي في الرسالة. وصلت قبل المعاد بعشر دقايق، واخترت ترابيزة في مكان واضح، وطلبت قهوة.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.