. أنا جاية لكي كأم مقهورة، كأم شايفة أولادها الثلاثة هيلبسوا البدلة الزرقاء ويضيع مستقبلهم في السجن.” ندى لم تتحرك، ولم تنطق بكلمة واحدة، بل ظلت تنظر إليها بنظرة حادة وصامتة تزن كل كلمة. تابعت صفية وبكاؤها يشتد: – “طارق غلط.. وإبراهيم وشيماء طمعهم عماهم، وأنا.. أنا أول واحدة أعترف إني ظلمتك، وإني طمعت في حقك ورزق أمك الله يرحمها. ربنا انتقم مني في عيالي وفي صحتي.
. الشقة اتسحبت منا، وإحنا مش لينا سقف، وأولادي محبوسين ورا القضبان. تنازلي عن محضر السلاح والحريق يا ندى.. ابوس إيدك تنازلي، وخدي أي ضمانات أو تنازلات كتبية تطلبيها!” قامت ندى من على الكرسي ببطء، ومشيت لحد ما وقفت أمام صفية مباشرة، وبصت في عينيها الدامعتين. قالت ندى بصوت ناصع كالسيف: – “فاكرة يا خالتي صفية.. أول يوم فتحت فيه بيت أمي؟
فاكرة لما وقفتي في نص الصالة ووزعتي الأوض، وقررتي تاخدي أوضة أمي الكبيرة اللي لسة ريحتها فيها؟ فاكرة لما قلت لطارق ‘أمي فاطمة بياعة الفول سابتلي بيت وسابتلي شرف’ وسخرتوا مني ومن شغلي في المستشفى؟” صفية حطت إيدها على وشها وانتحبت: – “سامحيني يا بنتي.. كنت أعمى الغل والطمع!” – “أنا ما كرهتكمش،” كملت ندى بكل صلابة، “لكن أنا اتعلمت أحمي نفسي وأحمي شقا أمي.
التنازل عن القضايا دي مش تسامح.. ده هيكون إهانة لدموع أمي اللي شقيت عشان البيت ده يفضل لي سند. القانون هو اللي هيحكم بيني وبين أولادك، والعدالة هي اللي هترد لرسول أمي حقه.” لفت ندى للمحامي فاروق وقالت بقرار لا رجعة فيه: – “أستاذ فاروق.. أنا مش هتنازل عن حرف واحد في المحاضر، ومش هقابل حد تاني من طرفهم. تفضل كمل الإجراءات والجلسة في ميعادها.
” خرجت ندى من مكتب المحامي مرفوعة الرأس، وتركت خلفها صفية تبكي وتتوسل بلا فائدة، بعدما أدركت أن ندى لم تعد تلك الزوجة المطيعة التي يمكن استغلالها أو كسرها بالدموع المزيفة. وفي طريق العودة إلى المعادي، كانت شوارع القاهرة تسطع بالشمس. دخلت ندى بيتها، وفتحت الباب الحديدي بثبات، واستنشقت ريحة الفل والياسمين المليانة بالهواء النقيف. كان البيت هادئاً، آمناً، ويشهد على صمود ابنة “الحجة فاطمة” التي رفضت أن تكون لقمة سائغة في أيدي الطماعين.
جاء يوم الجلسة الحاسمة في محكمة جنايات القاهرة. القاعة كانت ممتلئة عن آخرها، وأقارب المتهمين والحضور يتهامسون في ترقب. ندى كانت تجلس في الصف الأمامي بجانب محاميها الأستاذ فاروق، ترتدي زياً أسود أنيقاً ووشاحاً أبيض ناصعاً، وثباتها يملأ المكان هيبة، بينما كان طارق وإبراهيم وشيماء يقفون داخل قفص الاتهام، بملابس الحبس الاحتياطي البيضاء، ووجوههم شاحبة ينطق منها الخزي والندم.
في زاوية القاعة، كانت صفية تجلس منكسرة، تعتصر منديلها وتبكي بصوت خافت كلما التقت عينها بأحد أبنائها خلف القضبان. نادى حاجب المحكمة بصوت جهوري: “محكمة!” وقف الجميع في خشوع، ودخلت هيئة المحكمة برئاسة المستشار ومستشاريه. ساد الصمت التام في القاعة، وبدأ القاضي في تلاوة الحيثيات بصوت فخم يتردد بين الجدران: – “بعد الاطلاع على الأوراق، وتفريغ تسريبات كاميرات المراقبة، وتقرير المعمل الجنائي، وسماع شهادة الشهود وإقرار المتهمين..
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.