وهو بيقلب في الأدراج، لقى دفتر قديم كان كاتب فيه زمان أول ما سافر السعودية. فتح الدفتر، ولقى جملة كان كاتبها بخط إيده يوم ما اختلف معاها وقرر يسيبها معلقة: “سأجعلها تعيش في سجني، ولا تر حرة إلا بإذني.” قرا الجملة دي، وبص لنفسه في المراية اللي قدامه. شاف راجل وشّه شاحب، عينيه مطفية، شعره شاب من الهم، وخسر شغله وسمعته وكرامته، ومطلوب منه يغادر البلد خلال أيام كشخص غير مرغوب فيه.
ضحك ضحكة هستيرية ممتلئة بالمرارة، ومسك القلم وشطب على الجملة القديمة وكتب تحتها: “دخلت السجن الذي بنيته لها، وخرجت هي إلى النور.” تاني يوم الصبح، نزل على مكتب العمل والشركة عشان ينهي أوراق الخروج النهائي. وهو واقف في الدور الأخير بالمبنى، بيستلم ورقة المغادرة والتحويل المالي المتبقي له، التليفون في جيبه رن. كان رقم غريب من قطر! قلبه دق بقوة. إيده اترعشت وهو بيمسك التليفون.
افتكر إن ممكن تكون هي، أو يمكن طارق بيتصل يكمل عليه أو يبلغه بحاجة جديدة. فتح الخط بصوت مبشوح وتردد: “ألو…؟” جاله الصوت من الناحية الثانية… ما كانش صوت طارق، ولا كان صوت الزوجة. كان صوت راجل كبير في السن، نبرته فخمة وهادية جداً، بيتكلم باللهجة الخليجية: “السلام عليكم… أنت الأستاذ (فلان)؟” رد وهو بيلهث: “أيوه أنا… مين حضرتك؟
” الراجل قال له: “أنا الشيخ عبد العزيز… كفيل المهندس طارق ورئيس الشركة اللي بيشتغل فيها في الدوحة.” الزوج القديم اتصدم، وجمك لسانه: “كفيل طارق؟! أنت بتكلمني ليه؟ هما اشتكوني عندك كمان؟! عايزين مني إيه تاني؟!” الشيخ عبد العزيز أخد نفس هادي، وقال بصوت مليان حكمة ووقار: “يا ابن الناس… لا طارق اشتكاك، ولا زوجته طلبت مني أكلمك.
طارق راجل فاضل ونبيل، ولما رجع من إجازته، شفت في وشّه ووش زوجته أثر التعب والإرهاق، ولما سألته أخوياً، حكى لي القصة كلها بالكامل… من أول ما سيبت الست معلقة، لحد اللي حصل في مطار القاهرة.” الزوج القديم صرخ بغل: “وده يخصك في إيه؟! بتتصل بيا ليه دلوقتي؟ عشان تشتم فيا أنت كمان؟!
” الشيخ عبد العزيز رد عليه بنبرة غيرت كل موازين اللحظة، نبرة فيها قوة وحزم خلته يسكت فوراً: “أنا بكلمك عشان أقول لك كلمتين لازم تسمعهم قبل ما تركب طيارتك وترجع مصر مكسور… طارق لما حكى لي، ما حكاش بشماتة ولا بقلة أصل. طارق طلب مني بصفة شخصية إننا ما نرفعش عليك أي قضية تعويض أو ملاحقة قانونية في السعودية أو قطر بعد اللي عملته في المطار، وقال لي كلمة واحدة: ‘يا شيخ، الراجل ده أخد عقابه من ربنا، وعقابه الداخلي أكبر بكتير من أي حكم قضاء… سيبوه يروح في حاله وربنا يهديه’.
” الزوج القديم اتجمد في أرضه. الكلمات دي كانت أشد من كل الضربات اللي أخدها. طارق… الراجل اللي كان عايز يشوهه ويضربه بالمشرط في المطار، هو نفسه اللي بيطلب له الرحمة وبيمنع عنه قضايا جديدة كانت ممكن ترميه في السجن سنوات طويلة! كمل الشيخ عبد العزيز كلامه وقال: “أنا اتصلت بيك عشان أقول لك… الست دي ربنا أنقذها لأنها صبرت على ظلمك. وأنت ربنا ابتلاك لأنك استقويت عليها بقسوتك.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.