أحمد نزل شغله الساعة تمانية الصبح، وأول ما الباب اتقفل وراه، مسكت تليفوني وقعدت أستنى. الست قالت بكرة هفهمك كل حاجة. بكرة جه، والصبح نور، بس هي ما اتصلتش. فضلت رايحة جاية في الشقة، غليت مياه وعملت قهوة ومادقتهاش، التوتر كان واكلني أكل. لحد ما الساعة دقت حداشر قبل الظهر، والتليفون رن برقمها. رديت بسرعة ومن غير مقدمات ألو.. خير يا أم ندى؟
جالي صوتها من الناحية التانية واطي ومتقطع، كأنها بتتلفت حواليها ومش عايزة حد يسمعها صباح الخير يا طنط.. معلش على قفلة السكة إمبارح، كان غصب عني والله، الظروف حكمت. رديت بنبرة جافة صباح النور. قفلتي السكة بعد ما رميتي جملة توقف القلب. ودلوقتي أنا مستنية أفهم، إيه اللي أحمد ماكانش ينفع يشوفه؟ وإيه الحكاية بالظبط؟ سكتت شوية، وبعدين اتنهدت تنهيدة طويلة كأنها طالعة من قاع مكسور مش هينفع في التليفون يا طنط.
الكلام ده لو اتقال في التليفون يتخرب بيوت، وإحنا ناس غلابة ومش حمل شوشرة. أنا محتاجة أقابلك.. بس بره البيت، ومن غير ما أحمد يعرف حرف واحد، ولا حتى ندى بنتي. حواجبي اترفعوا باستغراب وسألتها وبنتك كمان متعرفش؟! إنتوا مخبيين إيه بالظبط؟ هقولك على كل حاجة.. تعالي نقعد في كافتيريا هادية عند محطة الترام بتاعة كليوباترا، بعد صلاة الظهر على طول، تكون الدنيا رايقة ومفيهاش زحمة. مستنياكي هناك وماتتأخريش عليا والنبي.
قفلت قبل ما ألحق أرد عليها بحرف تاني. الست دي كانت بتتحرك بطريقة ترعب. ركبتني مية عفريت، وقولت لنفسي يا وقعة مش فايتة، ده الموضوع شكله وراه مصيبة سودة. لبست عبايتي وطرحتي ونزلت وأنا رجليا يدوب شيلاني. ركبت تاكسي وطول السكة وأنا بستغفر ربنا وأدعي إن ربنا ينجي ابني من أي شر هو مش داري بيه.
وصلت الكافتيريا قبل الميعاد بعشر دقايق. كانت مكان هادي فعلاً، الترابيزات بعيدة عن بعض وريحة البحر واصلة مع هوا خفيف. قعدت في ترابيزة جوه شوية بعيد عن الباب، وعيني على المدخل. بعد شوية، لقيتها داخلة. كانت متبهدلة بطريقة ملفتة. لابسة عباية سودا وطرحة مش متظبطة، ووشها أصفر زي الليمونة، وتحت عينيها سواد يبين إنها مانمتش بقالها كذا يوم، مش بس إمبارح.
بصت يمين وشمال لحد ما شافتني، وجت بخطوات سريعة قعدت على الكرسي اللي قدامي كأنها بتهرب من حد. حطت شنطتها على الترابيزة بإيد بتترعش، وقالت بصوت متهدج متشكرة إنك جيتي يا طنط.. ربنا وحده يعلم أنا في إيه من إمبارح. بصيت في عينيها مباشرة وقولت بحزم سيبي الشكر دلوقتي يا أم ندى، وادخلي في الموضوع على طول. إنتِ سيبتيني الليل كله بلف حوالين نفسي.
ابني ناوي يربط اسمه باسمكم ويدخل بيتكوا على سنة الله ورسوله، وأنا مش هسيب ابني يغرق في بير غويط وأنا بتفرج. إيه حكاية الخوف، وإيه اللي كان مستخبي في البيت إمبارح؟ نزلت عينيها في الأرض، وبدأت تفرك صوابعها بعصبية واضحة، وبعد ثواني من السكوت رفعت راسها ودموعها محبوسة بالعافية وقالت إنتِ شوفتي البيت مكركب ومبهدل إمبارح، صح؟
فكرتي إني ست مهملة ومقرفة ومش عارفة أنضف بيتي وبنتي طالعة زيي؟ قولت بصراحة اللي يدخل يلاقي المنظر ده لازم هيقول كده، ده غير إنك طردتيني بشياكة لما قولتلي خمسة بره وأنا طالعة وراكي. مسحت وشها وقالت والله العظيم ما ده بيتي ولا ده حالي، ولا أنا طردتك، أنا كنت بموت من الرعب يا طنط. البيت ماكانش مكركب عشان إحنا مهملين.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.