حماتي قربت من بابا وماما وهي بتترجى، وقالت قدام الكل: “أنا آسفة يا حاج.. أنا اللي بنيت البيت ده على غلط، وأنا اللي قسيت على بنتك وظلمتها وجيت على كرامتكم.. حقكم على راسي من فوق، وابني غلطان ومستعد يعمل أي حاجة ترضيكم بس بلاش حبسه!” الصمت ساد القاعة كلها.. والعيون كلها اتجهت ناحيتي.. كان الكل مستني قراري أنا.. هل هقبل الاعتذار وأرجع له وأكسر عينهم برجوعي كست البيت الأولى والأخيرة؟
ولا الاستمرار في القضايا وسجنه وإنهائها للابد؟ وقفت في نص الصالة، وبصيت لجوزي اللي كان واقف مستني كلمتي عشان تنقذه من السجن، وبصيت لحماتي اللي كانت منتظرة طوق النجاة.. وقبل ما أقول الكلمة الأخيرة اللي هتحدد مصير الكل، التليفون رن برقم غريب، ولما أخويا رد، ملامح وشوه اتغيرت تماماً وكشف سر ثاني حماتي كانت مخبياه عن الكل… أخويا حط التليفون على أذنه، ومع كل ثانية كانت ملامحه بتتغير من الدهشة للغضب الصارم، والعيون كلها في الصالة اتسمرت عليه.
قفل المكالمة وبص لحماتي ونظرته كانت عبارة عن سهم مسموم قطّع كل أوهام المسكنة اللي كانت عايشة فيها. أخويا قرب خطوات بثبات وسأل بصوت جهوري هز أركان الصالة: “يا ترى يا هانم.. ويا ترى يا سي العريس.. أختك اللي في البلد اللي بتقولي إنها عيانة وبتبعتيلها كل شهر الفلوس والمصاريف، تطلع مين بالضبط؟ والتليفون اللي جالي دلوقتي من مستشفى التحاليل والولادة في القاهرة بيطلب إثبات نسب مولود جديد لزوجك الفاضل… يطلع إيه؟
” الجمود حلّ على القاعة زي صاعقة نزلّت على الرؤوس. حماتي وشها اتخطف وبقى لون الصبورة، وشفايفها بدأت تترعش وهي بتبص لبنها بذهول صامت. وجوزي؟ جوزي حط إيده على وشه وما قدرش يرفع عينيه، وكأنه انكمش على نفسه وأصبح أصغر من كف الإيد. أنا وقفت مصدومة.. حسيت إن الأرض بتلف بيا. اتاري العزومات، والتعب، والوقفة في المطبخ، والفلوس اللي كانت بتتشفط من جيب جوزي بحجة مساعدة أخته أو قرايبه، كانت رايحة لمصاريف زوجة ثانية!
اتجوزها عليا في السر قبل ما يخطبني أو مع أول أيام جوازنا، وكانت حماتي هي الساتر والعقل المدبر لكل الخطوات دي! كانت بتخليني خدامة في البيت عشان توفر وقت وفلوس لست ثانية هي واختيارها، وكانت عايزة تكسر مناخيري وتطرد أهلي عشان أتحول لمجرد آلة طبخ وتنظيف مالهاش أي حقوق أو طلبات! ماما صرخت من البكاء والحرقة: “حسبي الله ونعم الوكيل فيكم! ده أنتم شياطين على هيئة بني آدمين!
” بابا وقف بوقار وأشار بيده لماما وأخويا عشان يهدوا. بص لحماتي ولجوزي ونبرته كانت أبرد من الثلج وأشد قسوة من أي ضربة: “كنت فاكر إنكم ناس طماعين وقساة القلوب بس.. لكن تطلعوا خاينين وأصحاب ألاعيب قذرة بالشكل ده؟ ده أنتم مش بس ضيعتم ابنكم، ده أنتم ردمتم عليه بالحيا.” حماتي ركعت تقريباً على الركب وحاولت تمسك إيد بابا وهي بتشهق: “والله يا حاج كانت غلطة!
البنت دي من البلد وأهلها ضغطوا عليه وهو ما كانش عايزها، وأنا اللي أجبرته يكتب عليها عشان صلة الرحم.. والله بنتك هي الست الوحيدة اللي في قلبه، أرجوك بلاش تفضحونا وبلاش تنازل القضية يروح علينا!” جوزي قرب مني ودموعه نازلة بصوت مخنوق: “يا فلانة.. سامحيني، أمي هي اللي غصبت عليا وأنا كنت أضعف من إني أقف قدامها.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.