حماتي اضطرت تلم هدومها وتخرج من الشقة هي وابنها مكسورين العين، والناس كلها بتبص لهم بنظرات القرف والشامتة، بعد ما كانت بتتباهى أمام العيلة كلها إنها ست البيت الناهية الآمرة. استلمت الشقة، ودخلت أنا وبابا وأخويا والمحضر.. البيت اللي قضيت فيه أيام كابوسية وأنا بمسح وأطبخ تحت إهاناتهم، بقى تحت إيدي بالقانون. بس الانتقام ما وقفش هنا.. جوزي لما لقى نفسه اترجم واتطرد من الشقة، وسمعته بقت في الطين، بدأ يتجنن.
أمه كانت بتزن في ودنه طول الليل والنهار: “وريهم يا فلان! ارفص القضية، اسجنها بالورقة!” وفعلاً، بعد بضعة أيام، تفاجأنا إن جوزي رفع القضية بالورقة اللي على بياض، وادعى إنني استلفت منه مبلغ مالي ضخم ورفضت أردّه! المحامي بتاعنا كان مستني اللحظة دي بفارغ الصبر. في جلسة المحكمة، المحامي قدم أدلة قاطعة، وطلب تحويل الورقة للطب الشرعي لإثبات إن التوقيع صادر في تاريخ قادم ومختلف تماماً عن كتابة متن الورقة، وإن الصلب انكتب بخط إيد جوزي بعد التوقيع بسنة كاملة!
وفي يوم النطق بالحكم.. القاضي بعد ما شاف تقرير الطب الشرعي اللي أثبت إن الورقة مزورة وتم استغلالها بنية خيانة الأمانة، أصدر حكماً هز كيانهم كلهم: براءة الزوجة من التهمة المنسوبة إليها، وتحويل الزوج (جوزي) للنيابة العامة بتهمة التزوير واستغلال تحرير على بياض وخيانة الأمانة! الحكم نزل عليه زي الصاعقة.. جوزي تلقى الخيانة من أمه اللي زقته على السكة دي، ولقى نفسه مهدد بالسجن الفعلي وسمعته انتهت تماماً!
في نفس الليلة اللي صدر فيها الحكم، رن تليفون بابا تاني.. بس المرة دي ما كانش جوزي اللي بيتكلم.. المرة دي كانت حماتي بنفسها! صوتها كان رايح، بتعيط وتتوسل وتشهق بكسرة ما شفتهاش في حياتي، وقالت لبابا بصوت ذليل: “الحقني يا حاج.. ارجوك يا أبو فلان، ابنك هيروح في داهية ويتسجن! أنا جاية لحد بيتكوا النهار ده أبوس إيدك وإيد بنتك.. سامحونا، البيت بيتكوا، وبنتك تشيلني على رأسها وتأمر وتنهى، بس بلاش تسجنوا ابني!
” بابا بصلي، وأنا بصيت له ونار قلبي بدأت تهدى بس الكرامة كانت لسه فوق كل شيء.. بابا رد عليها بصوت جاف وثابت: “اللي عملتيه في بنتي وفينا ما يغفروش بكاء، ابنك دهس كرامتنا وساق فيها، ودلوقتي بيحصد اللي زرعتيه فيه.. لو عايزة تتكلمي، تيجي بكرة قدام العيلة كلها اللي اتهانا قدامهم!” تاني يوم، البيت عندنا اتملى.. أخت حماتي، وأخوها اللي كانوا بيجوا ياكلوا المحشي والمفتول وأنا خدامة عندهم، حضروا كلهم وكانوا قاعدين ساكتين ومكسورين العين.
ودخلت حماتي.. الست اللي كانت بتدخل المطبخ تزعق وتطرد أهلي بقلب أسود، دخلت مطأطأة الرأس، دموعها على خدها، وجوزي ماشي وراها زي الخيال، وشو بالأرض مش قادر يرفع عينه في عين بابا ولا أخويا. حماتي قربت من بابا وماما وهي بتترجى، وقالت قدام الكل: “أنا آسفة يا حاج.. أنا اللي بنيت البيت ده على غلط، وأنا اللي قسيت على بنتك وظلمتها وجيت على كرامتكم..
حقكم على راسي من فوق، وابني غلطان ومستعد يعمل أي حاجة ترضيكم بس بلاش حبسه!” الصمت ساد القاعة كلها.. والعيون كلها اتجهت ناحيتي.. كان الكل مستني قراري أنا.. هل هقبل الاعتذار وأرجع له وأكسر عينهم برجوعي كست البيت الأولى والأخيرة؟ ولا الاستمرار في القضايا وسجنه وإنهائها للابد؟ وقفت في نص الصالة، وبصيت لجوزي اللي كان واقف مستني كلمتي عشان تنقذه من السجن، وبصيت لحماتي اللي كانت منتظرة طوق النجاة.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.