مريم صرخت صرخة مكتومة ولفت بحدة، كوعها خبط في وشي بقوة خليت طعم الدم يملى بؤي، ووقعت على الأرض جنّب طارق. ساعتها محمود—اللي كان غايب عن الوعي—سماع صريخي وصوت الهرج، كأنه أستوعب الكابوس فجأة. قام من الأرض زي المجهود وجري على مريم، مسك دراعها اللي فيه الساطور وثبته على الأرض بقوة وجسمه كله فوقيها. “ا. يهم يا محمود! ارمي الساطور!” صرخ طارق وهو بيحاول يقوم ويكتم الدم اللي نازل من جبهته.
محمود كان بيحاربها وهي بتتلوى تحته زي الثعبان، بتعضه وبتصرخ وبتضــ,,ـــــرب برجليها في كل حتة. نجح محمود إنه يضــ,,ـــــرب إيدها في بلاط الأرضية لحد ما الساطور طار وتسحب بعيد تحت كنبة الصالة. مسكنا مريم بالعافية، طارق ومحمود مكتفين إيديها ورجليها وهي بتتلوى وتصرخ بصوت هيستيري وتف وتسب وتلعن فينا وفي الدنيا كلها، وشها بقى شاحب وشفايفها بدأت تزرق من المجهود والجنون.
فجأة.. صراخ مريم وقف. بدأت جسمها يتشنج بشكل مرعب زي ما حصل لزوجها قبل ما يمــ,,ـــــوت.. عينين مريم لفوا لفوق، وبدأ يطلع من بؤها رغاوي بيضا مخلوطة بدم! أنا وُقفت مشدوهة ومصدومة: “إيه ده؟! هي مالها؟! هي جرى لها إيه؟!” محمود بصلها برعب وساب إيدها: “مريم.. إنتِ أكلتي من التورتة؟!” مريم وهي بتتشنج وصوت أنفاسها بيتقطع ويتحول لهسيس واطي، ابتسمت ابتسامة مرعبة مليانة دم، وهمست بصوت مكسور وطالع بالعافية: “أنا.
. أنا دوقتها بالأول.. عشان أتأكد إن طعم المانجو مغطي على الزنيخ.. أنا.. أنا ميتة زيكم.. مفيش حد.. مفيش حد هيطلع من الشقة دي عايش..” وفي اللحظة دي بالضبط، وبينما مريم بتدخل في سكرات المــ,,ـــــوت والتشنج على أرضية الصالة.. سمعنا صوت سرينات البوليس والإسعاف بتملى الشارع تحت العمارة. لكن الصوت اللي خلّى شعر جسمنا يقف من الرعب.
. كان صوت جايلنا من جوة المطبخ! صوت خطوات هادية.. بتتحرك ببطء في الضلمة بتاعة المطبخ.. وصوت فنجان قهوة بيتحط على الرخامة.. وصوت طارق أخو جوزي (الجــ,,ـــــثه المرمية في الأوضة) وهو بيكح كحة مكتومة وبيقول من جوة المطبخ: “رانيا.. القهوة زبطت.. تعالي خدي فنجانك.” انقبــ,,ـــــضت صدورنا الثلاثة في نفس اللحظة، وتجمّدت حركة طارق ومحمود فوق جــ,,ـــــثه مريم التي كانت تفارق الحياة بتشنجات مرعبة على أرضية الصالة.
الصوت القادم من ظلام المطبخ لم يكن مجرد صدى أو تهيؤات.. كان صوت خطوات بطيئة واثقة تتجه من المطبخ نحو الصالة، تتبعها برودة مفاجئة سرت في أرجاء الشقة كأن باب ثلاجة عملاقة فُتح في وجوهنا. محمود بص لجــ,,ـــــثه أخوه المرمية في الأوضة، والدم الأسود اللي مالك السجادة، وبعدين بص لناحية المطبخ وعينيه محقونة بالدم والذهول: “ده.. ده صوت طارق أخويا! إزاي؟! هو مش ميت قدامنا جوة؟
!” طارق جوزي وقف بشويش، سحب زهرية ورد رخام تقيلة من على الطاولة، وشاورلي بإيده إني أرجع لورا. كنت حاسة إن أرجلي مش شيلاني، ضهري لزق في الحيطة وطعم الدم في بؤي بيزيد مرارة. من عتمة المراهق الموصل للمطبخ، برز خيال.. خرج شخص بيمشي ببطء، رافع راسه، لابس نفس بيجامة طارق أخو جوزي، بس الملامح.. الملامح مكنتش ملامح إنسان حقيقي!
وش شاحب كأنه منحوت من شمع رمادي، عينيه مظلــ,,ـــــمة ومفيهاش أي لمعة حياة، وفي إيده اليمين ماسك فنجان القهوة اللي القهوة الدسمة السخنة بتطلع منه بخار دافي. توقف الشخص على أطراف الصالة، وبص لمريم وهي بتمــ,,ـــــوت على الأرض، وبعدين رفع عينيه وبصلنا واحد واحد.. وابتسم ابتسامة عريضة مش طبيعية، فتحت بؤه لحدود خلّت جلود وشنا تقشعر. “إنتوا مستغربين ليه؟” الصوت خرج من حنجرته بس مكنش صوته لوحده.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.