أردت أن أتذكر اللحظة الدقيقة التي توقفت فيها عن الشعور بأنني أنتمي إليه. في صباح اليوم التالي، جلست أمام المحامية سمر الهاشمي، وهي محامية متخصصة في قضايا الأسرة رشحتها لي إحدى زميلاتي. كانت في أوائل الستينيات، بشعر فضي قصير وملامح ثابتة لا تكشف ما تفكر فيه. قرأت الاتفاقية بعناية. واستمعت إلى التسجيلات. ثم نظرت إليّ من فوق نظارتها وقالت زوجك مهمل بصورة لا تصدق في ترك الأدلة خلفه. عائلته ليست كذلك.
سألتها ما الخيارات المتاحة أمامنا؟ قالت أولًا، نؤمّن الحماية القانونية لليلى. ثانيًا، نحمي أصولك وأموالك. ثالثًا، نتركهم يواصلون الكلام. عقدت حاجبي. لماذا؟ أجابت لأن الأشخاص المغرورين يتحدثون بحرية شديدة عندما يكونون مقتنعين بأن المرأة الوحيدة الموجودة في الغرفة لا تفهمهم. خلال الأسبوعين التاليين، واصلت حضور التجمعات العائلية كالمعتاد. أعددت الحلوى. وابتسمت بأدب عندما كانت مريم تصحح لي بعض عباراتي، رغم أنها كانت تستخدم التركية نفسها للسخرية مني.
جلست بهدوء بينما كانت أم سيف تتحدث عن الطفل الذي لم يولد بعد وكأنه قطعة أثاث طلبوها خصيصًا للمنزل. وكان سيف يربت على يدي ويتباهى أمام أسرته بأنني لن أتركه أبدًا. قال بثقة هي تعتمد عليّ كثيرًا. ابتسمت له من الجهة الأخرى للطاولة. ليس لوقت طويل. سجلت سرًا كل حديث دار أمامي. وفي الوقت نفسه، ساعدت سمر ليلى على التواصل مع جهة محلية مختصة بالدعم القانوني للنساء.
راجعت الاتفاقية التي أعدها مكتب الحاج كريم، وحفظت نسخًا موثقة من كل ټهديد رقمي، وأعدت إنذارًا قانونيًا محكمًا يمنع عائلة سيف من مواصلة الضغط على ليلى. أما المواجهة الكبرى، فحدثت في منزل الحاج كريم وأم سيف الواسع. كان هناك أكثر من عشرين فردًا من العائلة الممتدة. وامتلأت المائدة بالمشروبات والأطعمة الفاخرة. وقضيت معظم الصباح في المطبخ ألعب دور الزوجة الهادئة المثالية، لأن هذا بالضبط هو المكان الذي توقعوا وجودي فيه.
وصلت ليلى بعد الواحدة ظهرًا بقليل. كانت أم سيف قد طلبت منها الحضور من أجل إنهاء الاتفاق. ارتدت ليلى فستانًا كحليًا محتشمًا. وكان الخۏف الواضح على وجهها يجعلني أرغب في التوجه إليها فورًا والوقوف بجانبها. لكنني انتظرت. أجلسوها عمدًا في الطرف البعيد من المائدة الطويلة. أما سيف، فرفض حتى النظر في عينيها. بدأت أم سيف الحديث بنبرة هادئة متعالية الطفل يحتاج إلى الاستقرار يا ليلى.
ردت ليلى وابنتي ستحصل على الاستقرار معي. أطلقت مريم صوتًا ساخرًا. بأي مال؟ سعل سيف في منديله وكأنه يشعر بالإحراج، لكنه لم يقل كلمة واحدة دفاعًا عن أم طفلته. طرق الحاج كريم على كأسه وقال نحن فقط نحاول تجنب ڤضيحة علنية لا داعي لها. زينب امرأة حساسة جدًا. وإذا تعاملنا مع الأمر بصورة صحيحة اليوم، يستطيع الجميع مواصلة حياتهم.
خرجت من المطبخ وأنا أحمل إبريقًا زجاجيًا ثقيلًا مملوءًا بالماء البارد. قال سيف بالتركية بمجرد أن توقع ليلى الأوراق، سأقنع زينب بأن فكرة التبني الخاص كانت فكرتها من البداية. ستكون سعيدة جدًا لدرجة أنها لن تسأل عن شيء. ابتسم بعض الأعمام والعمات وكأنهم يوافقونه. نظرت أم سيف إليّ بشفقة مصطنعة وقالت بالتركية المسكينة. بعد كل هذه السنوات من الانتظار، ستتمكن أخيرًا من لعب دور الأم. خفضت ليلى رأسها وهي تحاول منع دموعها.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.