هي مش بتسألني عن الدوا لأنها مستنية نهايتي. هي بتسألني لأنها عايزاني أفضل موجود. فضلت طول حياتي فاكر إن الحب لازم ييجي في الوقت الصح، وبالشكل الصح، وبموافقة كل الناس. لكن في النهاية فهمت حاجة بسيطة. أحيانًا، الشخص اللي ينقذ حياتك مش بيكون أغنى شخص في حياتك، ولا أقرب شخص ليك، ولا حتى الشخص اللي الناس كلها بتثق فيه.
أحيانًا بيكون إنسان بسيط جدًا واقف قدام باب مكتبك في آخر الليل وإيده بتترعش من الخوف بس بيختار يقول الحقيقة علشان ينقذك. رانيا دخلت حياتي في ليلة علشان تحذرني من المــ,,ـــــوت. وبعد سنين بقت هي السبب اللي خلاني أحب الحياة من جديد. بيت كبير. فلوس كتير. استثمارات. حسابات بنكية. وعندي حرية إني أسافر في أي وقت وأروح أي مكان من غير ما أستأذن من حد.
لكن رغم كل ده كل ما كنت برجع البيت، مكنش فيه حد مستنيني. مفيش صوت بيقول حمد لله على السلامة. مفيش حد بيسألني أكلت؟ مفيش حد مستنيني أحكيله يومي كان عامل إزاي. كان فيه بس أوض فاضية. بيت واسع بشكل يخلي صوت خطواتي فيه يخوفني أوقات. وفي ليالي كتير، كنت أقعد لوحدي في الصالة، أبص للكرسي اللي كانت فاطمة بتقعد عليه، وأحس إن البيت كله بقى مجرد مبنى كبير مفيهوش روح.
وده كان الوقت اللي قابلت فيه سمر. كانت عندها ستة وتلاتين سنة. طويلة، جميلة، ودايمًا شكلها مرتب بطريقة تخلي أي حد يشوفها ياخد باله منها. كانت من النوع اللي الناس بتبص وراها لما تعدي من قدامهم. قابلتها في حفلة خيرية كنت بحضرها. كنت واقف بعيد عن الناس، ماسك كوباية عصير، ومش مهتم أوي بالكلام اللي حواليا.
وفجأة، سمر قعدت جنبي. بدأت تسألني عن حياتي. سألتني عن شغلي، وعن أولادي، وعن مراتي الراحلة. والغريب إنها مكنتش بتعاملني كإني راجل عنده أربعة وسبعين سنة وخلاص. كانت بتسمعني باهتمام. كانت بتضحك على حكاياتي القديمة. حتى الحكايات اللي أولادي كانوا حفظوها من كتر ما حكيتها. قعدت طول السهرة تقريبًا وهي بتبصلي بطريقة خلتني لأول مرة من سنين أحس إني لسه شخص مهم.
مش مجرد راجل عجوز قضى معظم حياته وانتهى دوره. لأ. حسيت إنها شايفاني أنا. بعد الحفلة، بدأنا نتقابل أكتر. في الأول كان الموضوع مجرد كلام وخروجات بسيطة. وبعدها بقى وجودها في حياتي عادة. وبعد ست شهور اتجوزنا. أيوه. أنا، حسن عبد الرحمن، اللي عندي أربعة وسبعين سنة، اتجوزت ست عندها ستة وتلاتين سنة. فرق السن بينا كان تمانية وتلاتين سنة. أولادي كانوا ضد الجواز تمامًا.
بنتي مريم قعدت قدامي يوم كامل وهي بتحاول تقنعني إني أراجع نفسي. وقالتلي بابا، إنت بالكاد تعرفها. بصيتلها وقتها بغضب. وقلت أنا عارف أنا بعمل إيه يا مريم. لكنها ردت عليا إنت فاكر إنك عارف بس إحنا خايفين عليك. ابني أحمد كان أشد منهم. هو حتى مراحش الفرح. لحد النهارده، أنا فاكر اليوم ده كويس.
كنت واقف وسط الناس، لابس البدلة، وسمر واقفة جنبي بفستانها، وأنا كنت شايف إن حياتي أخيرًا رجعتلي. لكن مكان أحمد كان فاضي. ومريم كانت موجودة، بس ملامحها مكنتش ملامح واحدة فرحانة. كنت غاضب منهم. كنت مقتنع إنهم ببساطة مش قادرين يتقبلوا فكرة إني ممكن أكون سعيد تاني. كنت شايف إنهم بيتعاملوا معايا كإني خلاص كبرت ومبقيتش من حقي أقرر مين يدخل حياتي ومين يخرج منها.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.