لأول مرة، كنت حاسس إني حر. ورانيا؟ أنا ساعدتها في علاج والدتها، لكن بشرط واحد. قلت لها الفلوس دي مش تمن اللي عملتيه. دي مساعدة من إنسان لإنسانة وقفت جنبه وقت ما الكل كان ممكن يسكت. هي رفضت في البداية. لكن والدتها كانت محتاجة العملية. وبعد العملية، الحمد لله، صحتها اتحسنت. رانيا بطلت تشتغل عندي. وساعدتها تكمل دراسة المحاسبة اللي كانت سابتها من سنين. وبعد فترة، لقت شغل جديد. البيت بقى هادي جدًا.
لكن الغريب إن هدوءه المرة دي مكنش مؤلم. بعد شهور، رانيا بدأت تزورني. في الأول كانت بتيجي علشان تطمن عليا. وبعدها بقت تزور والدتي؟ لا، والدتي كانت متوفــ,,ـــــاه من سنين. بقت تزورني علشان تشرب قهوة. نتكلم. نضحك. وأحيانًا نقعد ساكتين. ومع الوقت، اكتشفت حاجة مخيفة بالنسبة لي. أنا كنت مستني مكالمتها. وكنت بفرح لما أشوف اسمها على شاشة التليفون. لكن مكنتش عايز أفسر الإحساس ده. فرق السن بينا كان كبير جدًا.
وهي كانت بالنسبة لي شخص عزيز أنقذ حياتي. مكنتش عايز أظلــ,,ـــــمها أو أخليها تحس إنها مدينة لي بحاجة. وفي يوم، كنا قاعدين في التراس. قالتلي تعرف إيه أكتر حاجة اتغيرت فيك؟ ضحكت. إيه؟ قالت بقيت بتضحك. بصيت لها. أنا كنت مش بضحك؟ قالت كنت بتضحك بس كنت خايف. سكت. لأنها كانت عندها حق. سمر كانت بتخليني أحاول أثبت إني لسه شاب.
مع رانيا، مكنتش محتاج أثبت أي حاجة. كنت حسن. بس. بعد شهور طويلة، في عيد ميلادي الخامس والسبعين، أولادي عملولي حفلة صغيرة في البيت. مريم وأحمد كانوا موجودين. ورانيا كانت هناك. بعد ما الكل مشي، فضلت هي. وقعدنا في التراس. بصيت لها وقلت رانيا. نعم؟ قلت أنا مش عارف إذا كان اللي هقوله صح ولا لأ. ابتسمت. قول. طلعت علبة صغيرة من جيبي. كانت فيها دبلة بسيطة. وقلت أنا مش قادر أوعدك بخمسين سنة.
عينيها دمعت. قلت ومش قادر أوعدك حتى بعشرين. ابتسمت وقالت محدش يقدر يوعد حد بكرة. مسكت إيدها. وقلت بس أقدر أوعدك بحاجة واحدة. سألتني إيه؟ قلت كل يوم أصحى فيه وأنا قادر أحبك هختارك. رانيا فضلت ساكتة. وبعدين قالت وأنا مش عايزة منك وعد بالعمر. وقفت قدامي. أنا عايزة بس أعيش الأيام اللي ربنا كاتبها لينا من غير خوف.
اتجوزنا بعدها بفترة. من غير حفلة كبيرة. من غير مئات الناس. كان يوم بسيط. مريم كانت واقفة جنب رانيا. وأحمد هو اللي ساعدني أظبط بدلتي. ووالدة رانيا كانت قاعدة في الصف الأول، بعد ما صحتها اتحسنت. لما رانيا دخلت بفستانها الأبيض البسيط، حسيت إن البيت اللي كان زمان مليان خوف رجع له النور تاني. أنا النهارده عندي ستة وسبعين سنة.
ورانيا في المطبخ. ومن شوية سمعتها بتزعق يا حسن! إنت أخدت دواك؟ ضحكت وقلت أيوه. ردت متكدبش عليا! ضحكت أكتر. لأن نفس الجملة اللي كانت زمان بتخوفني بقت دلوقتي أكتر جملة بحب أسمعها. هي مش بتسألني عن الدوا لأنها مستنية نهايتي. هي بتسألني لأنها عايزاني أفضل موجود. فضلت طول حياتي فاكر إن الحب لازم ييجي في الوقت الصح، وبالشكل الصح، وبموافقة كل الناس. لكن في النهاية فهمت حاجة بسيطة.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.