سمعت صوت أنفاسه العالية الشديدة، وبعد دقيقة قال بصوت مبحوح ومكسور: “عبير تضرب بنتي؟ وأمي تقول احسن؟ وفاروق يطردك في الليل وأنا مغترب عشان أوفر لهم القرشين؟” قلتله وأنا بعيط: “أنا أسفة يا محمود إني وجعت قلبك وأنت بعيد، بس أنا دافعت عن بنتي زي أي أم، وأخوك كان هيقتلني.
” محمود قال بصلابة غريبة: “اقفلي يا فاطمة دلوقتي.. وخليكي في بيت أبوي معززة مكرمة، وما تخافيش من أي محضر ولا أي كلمة. أنا راجع مصر بكرة.” الكلمة نزل عليا زي المية الساقعة: “راجع؟ راجع أزاي يا محمود وعملك وشغلك؟” قال بصرامة: “الشغل يغور، والفلوس تغور.. لما أهل بيتي يتهانوا وبنتي تنضرب ويمشوكم في نص الليل، يبقا القعدة في الغربة ملهاش عازة.
اقفلي وما تخرجيش من بيت أبوكي.” قفلت مع محمود وأنا خايفة من اللي جاي. الصبح بدري، فاروق فعلاً راح المركز وعمل محضر اعتداء وتقرير طبي لعبير، التقرير كان فيه إصابات وعضات وخربشة في كل أجزاء جسمها، والشرطة بعتت إحالة لبيت أبوي عشان يستدعوني للتحقيق. أبويا أخدني وطلعنا على النيابة، وهناك كان فاروق حاضر مع محامي، وعينيه كلها حقد.
المحامي بتاعه كان بيعرض التقرير الطبي بتاع عبير اللي يثبت إنها فاتحة بقها ومتعورة في كل حتة، وقدموا البلاغ بتهمة ضرب وإحداث عاهة. لكن وكيل النيابة لما شاف مريم بنتي وشاف الجرح اللي في مناخيرها والورم اللي في رأسها، وسمع أقوالي إني كنت بدفع عن طفلة عمرها أربع سنين تعرضت للاعتداء المباشر والضرب المبرح من ست كبيرة، أمر بتحويل البنت للطب الشرعي هي كمان لعمل تقرير طبي موازي، وأفرج عني بكفالة على ذمة التحقيق.
فاروق خرج من النيابة وهو بيتف في الأرض وبيقول لأبوي: “مش هسيبها.. والبيت ده مش هتدخله تاني، ومحمود لو راجل ييجي يوريني وشها!” مرت يومين والبيت في بلدنا محشوش بالخوف والترقب، وحماتي عمالة تتصل بقرايبنا وتشن حملة تشويه لسمعتي، بتقول للناس إني مجنونة وعضاضة وضربت مرات عم البنت بدون سبب عشان أعمل مشاكل وأخرب بيت محمود. نزل منها محمود.. وش أحمر من التعب والسفر، وعيونه فيها حزن وغضب ما شفتهمش في حياتي.
شايل شنطته في إيده وداخل بخطوات سريعة. أول ما شافني واقفة في الصالة ومريم جرت عليه ماسكة في رجله، جثى على ركبه وأخد مريم في حضنه، وبص لوشها المتورم والجرح اللي في مناخيرها. أيده كانت بتتظاهر بالثبات بس كانت بترتعش وهو بيمسح على رأسها. بصلي وقال بصوت واطي بس يرعب: “لبسي بنتك يا فاطمة.. وأنتِ كمان أجهزي.
” أبويا قرب منه وقال: “على فين يا محمود يا ابني؟ استهدى بالله والصلح خير.” محمود وقّف بثبات وقال بصوت هز البيت: “الصلح ده لما يكون بين بني آدمين يا عمي.. إنما اللي بيحصل ده قلة قيمة وقلة أصل. يلا يا فاطمة، رايحين نفتح بيت العيلة ونشوف مين اللي هيطرد مين الليلة!”
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.