تغيرت طريقة كلامهم عنها تمامًا؛ ما بقاش فيه “الست هانم” ولا “اللي بتتمسكن”، بقى اسمها “عروسة أخونا” و”البنت الطيبة اللي ملهاش ذنب”. على الساعة أربعة الفجر، وأنا قاعد على الكرسي في الطرقة، حسيت بحركة جنب العناية المركزة. قمت بالراحة وبصيت من الإزاز. لقيت مراته فتحت عينها تاني. المرة دي كانت أهدى، والممرضة كانت جنبها بتمسح جبهتها بقطنة. العروسة لفت رأسها بالراحة ناحية الباب الشفاف، وعينها وقعت عليا وأنا وافقة لوحدي في الطرقة.
بقيت باصة لها، وقلبي بيتنفض. رفعت إيدي بالراحة من ورا الإزاز، وحطيتها على صدـ,,ـــري ناحية قلبي، وهزيت رأسي ليها بابتسامة حنونة مليانة دموع ورجاء كأني بقولها: “سامحيني يا بنتي.. حمد الله على سلامتك”. مراته فضلت باصة لي لثواني.. وشها الباهت والمجهد بدأ يظهر عليه ظل ابتسامة خفيفة أوي، أرق وأصدق من كل الابتسامات الرسمية اللي شفناها قبل كده. هزت رأسها حركة صغيورة جدًا، وكأنها بتقولي: “أنا سامحتك.. ومفيش حاجة”.
اللحظة دي كانت زي البلسم اللي نزل على قلبي وغسل كل الغل والوساوس. عرفت إن البنت دي فعلاً أصلها طيب، وإنها مش شايلة في قلبها أي نقطة سواد، رغم كل اللي عملناه فيها. تاني يوم الضهر، الدكتور أذن لابنك إنه يدخلها لمدة خمس دقائق بس، بشرط ما يخليهاش تتكلم كتير. ابنك دخل، وكان ماسك إيدها وبيكلمها بالراحة.
وبعد كام دقيقة، لقيناه بيشاور لينا من جوة الأوضة بابتسامة، وبيقول للممرضة تفتح الباب عشان ندخل نسلم عليها دقيقة واحدة. دخلت أنا وبناتي ببطء شديد، ورجلينا بتترعش من الرهبة والخجل. قربنا من السر,,ـــــير، ومراته كانت باصة لينا بعيون مليانة طيبة وهدوء. قربت منها، ووطيت على رأسها وبستها بحنان أم حقيقي لأول مرة، وقلت بصوت مخنوق: * حمد الله على سلامتك يا بنتي.. ألف سلامة عليكِ يا حبيبتي، ربنا يخليكي لينا ولجوزك.
بناتي قربوا، والكبيرة مسكت إيدها السليمة وبستها وهي بتعيط: * سامحينا يا مرات أخويا.. والله العظيم إحنا بنحبك، ومكنش قصادنا نضايقك أبداً.. حقك علينا يا حبيبتي. مراته بصت لبناتي، وبصت لجوزها اللي كان واقف عينيه مدمعة ومبسوط، وتكلمت بصوت خافت جدًا زي النسمة: * مفيش حاجة يا طنط.. إنتوا أهلي.. ومفيش زعل بين الأهل.
الكلمة طلعت منها بصفاء نية كسر كل الخجل اللي جوايا. حسيت إننا أخيرًا بتبدأ صفحة جديدة بجد، بس الصفحة دي مكتوبة بالدم والتضحية والدعاء. بس وقبل ما نطمن تمامًا والجو يصفى، الباب اتفتح فجأة بحدة، ودخلت أم العروسة وأبوها وشقيقها، ووشوشهم كانت بتولع نــ,,ـــــار وغضب بعد ما عرفوا تفاصيل الدــ,,ـــــادثة والتعب اللي بنتها فيه…
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.