بعد الفرح بأسبوع حكايات امانى ٣

نُشر منذ 3 أسابيع
حفظ
غلاف المقال

السكون اللي نزل على طرقة المستشفى كان أشد من صوت الدــ,,ـــــادثة نفسها. الكلمة طارت في الهوا وفضلت ترن في وداني: “رمت نفسها عليا عشان تحميني…” بصيت لبناتي، لقيتهم واقفين زي التماثيل، ودموعهم بدأت تنزل بذهول وصدمة. بنتي الكبيرة مسكت في كتفي وإيديها بتترعش، والصغيرة غطت وشها بإيديها وبدأت تبكي بصوت مكتوم.

في اللحظة دي، كل الأفكار الخبيثة، وكل محاولات السيطرة، وكل الخناقات والتلميحات والتعالي اللي عشنا فيه الكام شهر اللي فاتوا، أتحولوا لكوم قش وطاروا مع الهوا. حسيت بالصغر.. حسيت إننا كنا بنحارب ست بقلب أبيض ومعدن نقي، ست في لحظة المــ,,ـــــوت ما فكرتش غير في جوزها اللي هو ابننا. ابنك كان قاعد يرتجف على الكرسي، وشه شاحب والدموع نازلة على الشاش الملفوف حوالين رأسه.

قربت منه، وأخدت رأسه في حــ,,ـــــضني وبقيت أطبطب عليه بكل حنية الدنيا اللي كنت حارماهم منها الفترة اللي فاتت، وقلتله بصوت مخنوق بالبكاء: * استغفر ربنا يا بني.. ادعيلها يا حبيبي، إن شاء الله هتجوم بالسلامة.. ربنا مش هيضيع أصلها ولا هينسى موقفها ده.. ادعي لها يا ضنايا. ابنك كان بيعيط بكسرة، وصوته بيتقطع: * أنا السبب يا أمي.. أنا اللي أخدتها وخرجنا عشان نسافر ونغير جو بعد النكد والفرقة اللي بقينا فيها.

. كانت مبسوطة وبتقولي يا رب الأيام الجاية تكون أحلى ونرجع نصالح طنط والبنات، وكانت محضرة هدايا ليكم في شنطة العربية عشان نيجي نيزوركم أول ما نرجع.. وفجأة التريلا دخلت فينا.. في ثانية لقيتها بتصرخ وبترمى جسمها كله عليا وتغطيني بقوتها قبل ما الزجاج يتكسر علينا! الكلمات دي كانت زي السياط اللي بتجلد ضهري وضهر بناتي. بنتي الكبيرة تقربت بخطوات بطيئة، وقعدت على الركبتين قدام أخوها، مسكت إيده السليمة وبكيتها بحــ,,ـــــرقة وهي بتقول: * سامحني يا أخويا.

. سامحني يا حبيبي.. أنا آسفة والله العظيم، إحنا كنا عميا وغلطنا في حقها وفي حقك.. يا رب تقوم بالسلامة يا رب وتسامحنا! الانتظار قدام باب العمليات كان عامل زي أكل النــ,,ـــــار في القلوب. كل دقيقة بتعدي كانت بسنة. النور الأحمر بتاع أوضة العمليات كان منور، والأطباء والممرضين طالعين وداخلين بجرام دم وأجهزة، ومحدش فيهم راضي يدينا كلمة تطمنا.

أنا وبناتي وقفنا في جنب، وفي لحظة صدق نادرة، مسكت إيد بناتي وقعدنا نترجى ربنا في سرنا. نسيت كبريائي، وطلعت من شنطتي مصحف صغير وبدأت أقرأ منه وبناتي يؤمنوا ورامين حمولنا على ربنا. حسيت إني ببدأ أغسل قلبي من الغل، وإني مستعدة أروح لحد عندها وأبوس رأسها وإيديها لو بس تفتح عينيها وتخرج للدنيا تاني. بعد ست ساعات كاملين، الأبواب الكبيرة بتاعة أوضة العمليات اتفتحت.

ابنك قام وقف في ثانية، رغم ألم رجله ورأسه، وجرينا كلنا على الدكتور اللي كان طالع يمسح عرقه ووشه باين عليه التعب الشديد. ابنك مسك في بالو الدكتور وقال بنبرة رجاء تخرم الصخر: * دكتور! قولي إنها عايشة! أرجوك قولي إنها بخير! الدكتور أخد نفس طويل، وبص في وشوشنا المترقبة، وقال بنبرة هادية بس جادة: * الحمد لله.

. العملية نجحت، وقدرنا نوقف النزيف الداخلي ونثبت الكسور. إصابتها كانت شديدة جدًا في الجانب الأيمن بسبب الصدمة المباشرة، بس ضــ,,ـــــربات قلبها استقرت. ابنك أخد نفس عميق ووقع على الأرض على ركبتيه يسجد لربنا وهو بيعيط بصوت عالي، وأنا وبناتي اتنفسنا الصعداء وحــ,,ـــــضنا بعض بدموع واهتزاز. كمل الدكتور كلامه وقال: * بس محتاجين نكون حذرين جدًا.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
Donia Ashraf

Donia Ashraf موثّق ✦ ناشر

كاتب

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
669مقالًا 3متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة

بعد ما تبرعت روايات

بعد ما تبرعت

بعد ما اتبرعت بدم عشان أنقذ جوزي المستقبلي، لمحت اسمي مكتوب على كيس الدم جوه صندوق تبريد. …

Donia Ashraf 0.0 8 دقائق
الحلاق ابني روايات

الحلاق ابني

الحلاق بتاع ابني اللي عنده 9 سنين وطى عليا بعد ما خلص حلاقة وهمسلي لما تروحي البيت بصي ورا…

Donia Ashraf 0.0 13 دقائق