بعد الفرح بأسبوع حكايات امانى ٣

نُشر منذ 3 أسابيع
حفظ
غلاف المقال

عدت ساعات الليل الطويلة وأحنا قاعدين في الممر قصاد الإزاز بتاع العناية المركزة. كنت بص من الإزاز، وأشوف جسمها الصغير المربوط بأجهزة ومحاليل، وشها أبيض زي القماش ومفيش فيه أي لون، وبفتكر يوم ما كانت قاعدة تحت رجلينا بتضحك بكسوف وتعملنا الباديكير بصفاء نية. إزاي إحنا شفنا الطيبة دي استضعاف؟ إزاي تحول الفضول لشر وحب سيطرة؟ على الساعة عشرة الصبح، ابنك كان قاعد جنب باب العناية مش راضي يتحرك ولا ياكل نقطة أكل.

بنتي الكبيرة راحت جابت كوباية شاي وساندوتش، وقعدت جنبه، وحطت إيدها على كتفه: * اشرب يا حبيبي حاجة عشان تقدر تقف على حيلك.. أنت تعبان وجروحك محتاجة راحة. ابنك بصلها بعيون مليانة حزن، بس النبرة الحادة اللي كانت بينه وبينها اختفت، واكتفى بإن هز رأسه وقال: * مش قادر يا أختي.. مش هيدخل بؤي أكل ولا ماية وهي محبوسة بين الأجهزة دي بسببي.

في اللحظة دي، الممرضة خرجت بسرعة من أوضة العناية، ولفت لينا وهي بتقول: * المريضة بدأت تفوق وبتتحرك! الدكتور جوة بيقيس الملاحظات، وجوزها ممكن يدخل ثانية واحدة بس بشرط العصبية والهدوء تمامًا. ابنك قام بسرعة وجري ورا الممرضة، وأنا وبناتي اتجمعنا عند الإزاز نراقب بقلوب مقبوضة. دخل ابنك، وقرب من السر,,ـــــير ببطء شديد كأنه خايف يجرحها بنظرة. مسك صوابع إيدها الشمال بالراحة خالص، وبدأ يهمس لها ودموعه نازلة على إيدها. مراته بدأت تفتح عينيها ببطء شديد.

. العينين اللي كانت دايماً بتبص بكسوف وتوتر. لفت رأسها بالراحة، وشافته لابس الشاش ومجبس، وشافت الدموع في عينيه. وبدلاً ما تشتكي، أو تسأل عن وجعها، أو تفتكر الدــ,,ـــــادثة.. اتكلمت بصوت واطي جدًا، خافت كأنه همس، وتحركت شفايفها بالكلمات اللي دخلت قطعت قلوبنا كلنا وإحنا بنسمعها من ورا الإزاز: * أنت.. أنت كويس؟

جرى لك حاجة؟ ابنك انهار ومسك إيدها وباسها ألف مرة وهو بيقول: * أنا بخير.. أنا بخير يا عمري.. أنتِ اللي حمتيني.. أنتِ بطلة.. سامحيني يا حبيبتي! مراته ابتسمت ابتسامة باهتة أوي، ولفت عينها ببطء ناحية الإزاز.. وعينها وقعت عليا أنا وبناتي واقفين بنبكي وبنبصلها بنظرة رجاء وألم. العروسة فضلت باصة لينا ثواني، ووشها الباهت ظهرت عليه علامة تحير، وبعدين رفعت صوابع إيدها المربوطة بالمحاليل خطوة صغيرة جداً ناحيتنا، وكأنها بتشاور لينا أو بتسأل بضعف: “إنتوا هنا؟

”.. وفي اللحظة دي، أجهزة القياس جنب سر,,ـــــيرها بدأت تطلق صفارات إنذار سريعة ومربكة، والدكتور زق ابنك برة الأوضة بسرعة وهو بيصرخ على الممرضين: “الحالة بتدخل في مضاعفات! برة فوراً!”… الأجهزة بدأت تفرقع بصوت صفارات متواصلة ويرعب، والممرضين دخلوا يجرو جوة الأوضة والستارة أتقفلت في وشنا في ثانية. الدكتور زق ابنك برة، وخرج هو كمان مصدوم، وبقى الطاقم الطبي كله محاوط السر,,ـــــير.

ابنك وشه أصفر زي الورق، ومسك في كتف الدكتور قبل ما يداخل الأوضة وقال بصوت زي الشهقة: * في إيه يا دكتور؟! كانت بتتكلم معايا! كانت كويسة وبتسأل عليا! إيه اللي حصل فجأة؟! الدكتور زق إيده بالراحة وقال وهو مستعجل: * ضغطها نزل فجأة وفي هبوط حاد في الدورة الدموية، الجهد بتاع الكلام مع الكدمات الداخلية سببلها انتكاسة، برة كلكم فوراً وما حدش يدخل!

الباب أتقفل، والإزاز أغطى بالستارة البيضا، ووقفنا كلنا في الصالة بتاعة الممر كأننا مضروبين بالنــ,,ـــــار. ابنك اتسند على الحيطة ونزل ببطء لحد ما قعد على الأرض، حاطط راسه بين إيديه ومجبس، وجسمه كله بيبكي ويتنفض. أنا وبناتي وقفنا مش عارفين نعمل إيه. بنتي الكبيرة مسكت في دراعي وبقت تبص للستارة المقفولة ودموعها نازلة على خدودها بغير حساب، وقالت وهي بتشهق: * يا رب.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
Donia Ashraf

Donia Ashraf موثّق ✦ ناشر

كاتب

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
669مقالًا 3متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة

بعد ما تبرعت روايات

بعد ما تبرعت

بعد ما اتبرعت بدم عشان أنقذ جوزي المستقبلي، لمحت اسمي مكتوب على كيس الدم جوه صندوق تبريد. …

Donia Ashraf 0.0 8 دقائق
الحلاق ابني روايات

الحلاق ابني

الحلاق بتاع ابني اللي عنده 9 سنين وطى عليا بعد ما خلص حلاقة وهمسلي لما تروحي البيت بصي ورا…

Donia Ashraf 0.0 13 دقائق