والله العظيم لو قامت بالسلامة لأشيلها فوق رأسي طول العمر.. يا رب سامحنا! الصغيرة راحت قعدت جنب أخوها على الأرض، ومسكت دراعه المجبس بالراحة، وبقت تطبطب عليه وهي بتعيط وتقول: * ادعيلها يا حبيبي.. ربنا مش هيضيع قلبها الأبيض ده.. هي قوية وهتقوم عشانك وعشاننا.. ادعيلها يا أخويا. أنا قعدت على أقرب كرسي، ورجليا مش شايلاني. كنت حاسة إن رب العباد بيوريني آية بصرية قدام عينيا.
الست اللي دخلت بيتنا ناعمة وطيبة، واللي طمعنا في أدبها واستغلنا كسفتها عشان نثبت سيطرتنا من أول يوم، طلعت هي الجدار اللي حما ابننا بروحه، وطلعت هي الأكرم والأجمل فينا كلنا. الموقف كشفنا قدام نفسنا، وعرّى كل الغرور والكبرياء اللي كنا عايشين فيه. مرت نص ساعة، كانت أطول من السنين. كل ثانية بتعدي وصوت الأجهزة جوة مسموع من ورا الباب كان بيقطع في أعصابنا.
ابنك ما كانش بينطق، بس كان بيحرك شفايفه بالدعاء، وعينيه متثبتة على الباب المقفول. وفجأة، الستارة اتفتحت بالراحة، والدكتور خرج. جرينا كلنا عليه، وابنك قام من على الأرض بالمنزل كأنه بيتعلق بقشة: * دكتور! قولي كلمة تطمني! الدكتور مسح عرقه، وأخد نفس طويل، ووشه هدي شوية عن الأول وقال: * الحمد لله.. استقرت الحالة تاني. الضغط رفع ونازلة أزمة الهبوط، بس ده جرس إنذار حاسم. جسمها ضعيف جدًا، والتعب النفسي والبدني اللي مرت بيه فوق طاقتها.
أي انفعال أو جهد، حتى لو كلام بسيط، ممكن يقلب النتيجة. ممنوع أي حد يدخلها نهائيًا لمدة 24 ساعة، وهي محتاجة راحة تامة وعلاج مكثف. ابنك أخد نفس عميق، وغمض عينيه ورفع راسه للسما، وقال من قلب جوفه: * الحمد لك والشكر لك يا رب.. الحمد لله. الدكتور بصلي أنا وبناتي، وبعدين بص لابنك وقال: * العروسة محتاجة هدوء وصيانة ونفسية مرتاحة عشان تقدى تعدي مرحلة الخطر.
ياريت التوتر اللي كان باين في عينها يخف، لأن الحالة النفسية لها عامل 50% في الشفاء. الكلام كان موجه لينا بشكل غير مباشر، وكأن الدكتور حس بالتأثير اللي حصل أول ما شافتنا عند الإزاز. ابنك بصلي، ولأول مرة من يوم الدــ,,ـــــادثة، ما كانش في عينيه غضب أو قسوة ناحيتنا.. كان فيه بس رجاء وترجي حزين. قرب مني ومسك إيدي، وقال بصوت خافت ومكسور: * أمي.. أنا عارف إنك خايفة عليا، وعارف إن إخواتي زعلانين.
. بس هي دلوقتي ملهاش غير ربنا وغيرنا. لو بتحبوني بجد، ادعولها من قلبكم، وسيبوني جنبها لحد ما تقف على رجليها. مسكت إيده وبستها، ودموعي نازلة على إيده المجبسة وقلتله: * والله يا بني أدعيلها من كل قلبي، والله العظيم ما جوايا ناحيتها غير كل خير وحب.. إحنا كنا غلطانين يا ضنايا، والدرس كان قاسي علينا كلنا.
. روح ارتاح في أوضة الانتظار، وأنا وإخواتك مش هنمشي من المستشفى غير لما تطمن عليها خالص. بناتي قربوا منه، والكبيرة حــ,,ـــــضنته وقالت: * إحنا جنبك يا حبيبي.. مش هنمشي، وأي حاجة تحتاجها العروسة أو أنت، إحنا اللي هنعملها بإيدينا. القعدة في المستشفى طولت، والليل دخل تاني. بناتي أصروا يروحوا الكافيتيريا ويجيبوا أكل وعصاير لأخوهم وللأطباء، وبدأوا يتحركوا بلهفة وخوف حقيقي على أخوهم وعلى مراته.
تغيرت طريقة كلامهم عنها تمامًا؛ ما بقاش فيه “الست هانم” ولا “اللي بتتمسكن”، بقى اسمها “عروسة أخونا” و”البنت الطيبة اللي ملهاش ذنب”. على الساعة أربعة الفجر، وأنا قاعد على الكرسي في الطرقة، حسيت بحركة جنب العناية المركزة. قمت بالراحة وبصيت من الإزاز. لقيت مراته فتحت عينها تاني. المرة دي كانت أهدى، والممرضة كانت جنبها بتمسح جبهتها بقطنة. العروسة لفت رأسها بالراحة ناحية الباب الشفاف، وعينها وقعت عليا وأنا وافقة لوحدي في الطرقة.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.