فتحتُ الباب ببرود وثبات، ليقف على العتبة رجل بأناقة مفرطة وملامح نحاسية أعرفها جيدًا، وخلفه اثنان من رجال الشرطة بالزي المدني. كان هو «منير» بنفسه.. النصاب الذي سلب طارق تحويشة عمره من سنتين، وقدم فيه طارق وقتها عشرات البلاغات التي حُفظت لعدم كفاية الأدلة! انفصلت الشفاه عن بعضها من الصدمة، وتراجع طارق خطوة للوراء وهو يضع يده في جيبه ويصرخ بنبرة مجنونة: «منير؟! أنت ليك عين تجيلحد باب بيتي يا مجرم يا واطي؟
! جاي تاخد بنت أختي بعد ما خربت بيتي؟!» تقدم أحد ضباط الشرطة بلهجة حازمة وقاطعه قائلاً: «هدّي نفسك يا أستاذ طارق.. الأستاذ منير مش جاي يطلب إيد بنت أختك، ولا جاي يتزاور.. الأستاذ جاي مقبوض عليه، وإحنا جايين ننفذ قرار ضبط وإحضار وتفتيش بناءً على البلاغ الصريح اللي أتقدمت بيه مدام نهى من ساعة زمن!» التفت طارق لي بنظرات ذهول لا تُوصف، وكأن العقل لم يعد يستوعب حجم المخطط.
في تلك اللحظة، خرجت هدى وحماتي من الشقة السفلى على صوت الضجة، ولما رأت هدى «منير» وهو مقيد الأغلال في يديه، صرخت صرخة شقت سكون العمارة وأغمي عليها على الدرج! أخرج الضابط ورقة رسمية وقرأ بثبات: «البلاغ المقدم من السيدة نهى مدعوم بتسجيلات صوتية ومستندات بتثبت إن المدعو منير كان على تواصل مستمر مع السيدة هدى والسيدة والادتكم، وإن في مبالغ مالية ضخمة أتحولت لحساباتهم منه خلال السنة الأخيرة..
مبالغ كانت غسيل أموال ومقدم لاتفاقات غير قانونية للتستر عليه وتهريبه برة البلد عن طريق مصاهرة عيلتكم!» كانت المفاجأة كالصاعقة التي ما تبقى من كبرياء طارق. السيدة البارعة في لعب دور الضحية، والحماة التي كانت تتغنى بعفة أختها وبنت أصولها، كانتا شريكتين في النصب على طارق نفسه! هدى لم تكن تضحي من أجل العائلة، بل كانت تقبض ثمن سكوتها وتسهيل دخول النصاب إلى البيت مجددًا تحت مسمى «عريس للبنت»، لاستغلال سجل طارق التجاري القديم في تغطية عمليات جديدة!
انهارت حماتي على الأرض وهي تبكي بحرقة وتتوسل إليّ: «حرام عليكي يا نهى! فضحتينًا وجرستي ابن عمك ورا الشمس! أختك هدى كانت فاكرة إنه تاب وعايز يستقر ويكفر عن ذنبه! أرجوكي اسحبي البلاغ يا بنتي، البيت ده هيروح في داهية!» نزلتُ لمستواها على الدرج، وبصيت في عينيها بنظرة حادة خالصة من أي رحمة قديمة: «خمس سنين وأنا حمارة شغل في البيت ده يا حماتي..
خمس سنين بتستغلوا صحتي ووقفتي في المطبخ ومرض ولادي عشان هدى ترتاح وتدبر مصايبها. أختك اللي كنتِ بتفضليها عليا وبتقولي لي كبري عقلك دي، هي اللي باعت ابنك وطعنته في ظهره عشان شوية فلوس متوسخة! والنهاردة، كل واحد بياخد حسابه بالعدل.» وقف طارق مذهولاً، ينظر إلى أمه المنهارة، وإلى أخته الملقاة على الأرض، وإلى الرجل الذي دمر حياته المادية وهو يُساق للأصفاد.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.