سألتُه وأنا أضع يدي على فمي لمنع : «عملوا فيه إيه؟ ودووه فين؟ انطق يا حضرة الضابط أرجوك!». أخرج الضابط ورقة من الملف وقال: «الممرضة نقلت الطفل لدار أيتام في محافظة مجاورة كطفل معثور عليه بدون أوراق، وبمساعدة شقيق الممرضة اللي بيشتغل هناك، تم استخراج شهادة ميلاد له باسم مستعار وتثبيت إيداعه في الدار لحد ما الأمور تهدأ، وفوزية كانت بتدفع للدار مبالغ دورية تحت مسمى تبرعات عشان تضمن إن الولد يفضل هناك وما يتعملش ليه تبني أو كفالة لأسرة ثانية لحد ما تلاقي طريقة تبيعه بيها تاني أو تحتفظ بيه كارت ضغط!
». شهقتُ بالبكاء، مزيج من الصدمة والإغاثة. ابني لم يغادر البلاد! ابني لم يضيع في أدغال التبني الخارجي! إنه هنا، في نفس الوطن، داخل دار أيتام يعيش باسم ليس اسمه! سألته بصوت خنيق: «الدار دي فين؟ اسم الطفل إيه عندهم؟ أرجوك خدني ليه دلوقتي!». قال الضابط بثبات: «النيابة أصدـ,,ـــرت قرار عاجل باستدعاء مدير الدار للتحقيق، ونحن بصدد مطابقة البصمة الوراثية (DNA) بينك وبين الطفل الموجود هناك فور موافقة الطب الشرعي، والإجراءات جارية بالفعل من الصباح.
بس في حاجة ثانية لازم تعرفيها يا مدام مريم تخص جوزك ياسين». في هذه اللحظة، ظهر ياسين عند باب الغرفة، كان شكله مكسورًا للغاية، وجهه شاحب والدموع تحفر مجاريها على خديه، وحراسة من الشرطة تقف خلفه. بصيت له بغضب واشمئزاز، وقلت للضابط: «الرجل ده أنا مش عايزة أشوفه.. ده كان عارف أو على الأقل كان أداة في إيد أمه!». تقدم ياسين خطوة واحدة والدموع تسيل من عينيه بصمت، وقال بصوت حزين ومتهدج: «مريم.
. أنا أقسم بالله ما كنت أعرف إن ابني الأولاني عايش أو إن أمي عملت الجريمة دي فيكي وفيّ! أنا لما سددت ديوني من سنتين أمي قالتلي إنها باعت أرض جدتي.. أنا أخدت الفلوس بحسن نية وكنت فاكرها بتساعدني! والنهاردة لما النيابة استدعاني للتحقيق، أنا اعترفت بكل حاجة وأدليت بشهادتي ضد أمي وبصمتها على أوراق التحقيق.
. أنا مش جايلك عشان تتنازلي عن حقي، أنا جاي أقولك إني سلمت أوراق المعرض والبيت للنيابة كتعويض ورهن تحت أمرك، وأنا مستعد أدخل السجــ,,ـــــن لو المحكمة شافت إني مقصر أو مجرم في حقك!». بصيت له ببرود وقلت له: «الفلوس اللي عملت بيها نفسك كانت بتمن دموعي وأمومتي يا ياسين.. حتى لو ما كنتش تعرف، سكوتك عن أمك وقسوتك عليا وأنا بمــ,,ـــــوت في عزومة العشاء يخليك شريك في كل نقطة الضابط أومأ لأفراد الشرطة واقتادوا ياسين إلى الخارج وهو يبكي ويستعطفني، بينما أغلقت الدكتورة ريهام الباب خلفهم.
أقتربت الدكتورة مني ومسكت إيدي وقالت: «اهدي يا مريم، أهم حاجة دلوقتي صحتك وصحة مولودك الجديد.. أنتِ قدامك خطوة واحدة بس وهي تحليل الـ DNA اللي هيتعمل بكره عشان تستردي ابنك البكر رسمياً من دار الأيتام». نظرتُ إلى سقف ، ودموعي تنزل ببطء على وسادتي.
كنتُ بين أمل استعادة طفلي وبين ثقل التي تركتها لي هذه العائلة . لم أكن أعلم أن الأكبر لم تأتِ بعد، وأن الدار التي أُودع فيها طفلي كانت تخفي مفاجأة أخرى أركان ما تبقى من حياتي.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.