». فوزية وهي بتتجر لبرة الغرفة، بصت لي بابتسامة متشفية وقالت كلمتها الأخيرة قبل ما الباب يتقفل: «تدوري على مين يا دكتورة؟ ثريا هانم سافرت برة مصر بالولد من سنة.. والولد دلوقتي مش باسم مريم، الولد اتسجل برة باسم عيلة ثانية خالص، وعمرك ما هتلاقيه يا مريم.. عمرك!». انهارت في النحيب، وبطني بدأت تتشنج بآلام ولادة حادة ومفاجئة. الدكتورة ريهام صرخت في الممرضات: «جهّزوا غرفة العمليات فوراً! مريم بتولد!
». وأنا بتنقل على السر,,ـــــير لغرفة العمليات، وسط صراخي وآلامي، كان ياسين بيجري ورا السر,,ـــــير وبيترجاني أسامحه، لكن كل اللي كان في عقلي في اللحظة دي هو سؤال واحد: هل كلام فوزية صح وابني ضاع للأبد برة مصر؟ ولا في حقيقة ثانية هي لسه مخبياتها؟ دُفعتُ بعربة العمليات بسرعة جنونية عبر ممرات المستشفى، وأصوات الأجهزة ومعدات الأطباء تتداخل مع صراخي الناجم عن آلام المخاض المفاجئة والضغط المرتفع الذي كاد يودي بحياتي.
كنت أدخل في حالات غيبوبة جزئية وأستفيق منها على ألم أشد، لكن الألم الأكبر كان يأكل قلبي من الداخل: ابني الأول، طفلي الذي أُخذ من أحشائي وأنا مغمى عليّ قبل سنتين، بعيدٌ عني ولا أعلم عن مصيره شيئًا. داخل غرفة العمليات، كانت الدكتورة ريهام تُشرف بنفسها على كل خطوة، صوتها حاسم وهي توزع التعليمات على الفريق الطبي لخطف الجنين وإحياء أمومتي للمرة الثانية وسط هذا الكابوس.
غبتُ عن الوعي تحت تأثير التخدير الطارئ. عندما فتحتُ عينيّ مجددًا، وجدتُ نفسي في غرفة العناية المركزة، وبجاني جهاز تتبع النبض يفرز أصواتًا منتظمة، وإلى جواري مهد صغير ينام فيه طفلي الجديد. انهمرت دموعي بغزارة وأنا أنظر إليه؛ خلوقٌ جميل صامد رغم كل الظروف، لكن الفرحة لم تكن كاملة، فقد كان هناك جرحٌ ينزف في روحي على أخيه المفقود.
لم يمر وقت طويل حتى دخلت الدكتورة ريهام ومعها ضابط المباحث الذي تولى التحقيق في القضية. كان وجه الضابط يحمل علامات الجدية الصارمة والأوراق المطبوعة في يده. قالت الدكتورة ريهام بنبرة دافئة: «حمد الله على السلامة يا مريم.. ابنك الجديد بفضل الله بصحة جيدة جداً، والضغط عندك بدأ يستقر». ثم التفتت إلى الضابط الذي تقدم خطوة نحو وقال بصوت خفيض احترامًا لظرفي الصحي: «وابني؟
ابني الأولاني يا حضرة الضابط! فوزية قالت إنه اتقيد باسم ست ثريا وسافر برة مصر من سنة! هل ده صح؟ ابني أترسّل لبرة ودمرتم أي طريقة أوصل بيها ليه؟». ابتسم النقيب أحمد ابتسامة خفيفة يحاول بها وقال: «دا اللي فوزية كانت فاكراه أو بتحاول تقنعك بيه عشان تقطعي الأمل وتتنازلي عن البحث. الممرضة اعترفت في النيابة إن عملية البيع للست ثريا هانم فعلاً اتفقت عليها فوزية، وكان المفروض تسليم الطفل ليها مقابل المبلغ المالي.
. لكن الأوراق الرسمية المزوّرة والشهادة الصحية المزيفة اللي عملوها في المستشفى القديم تعرضت لانتكاسة قانونية وقتها بسبب تفتيش مفاجئ من وزارة الصحة على المستشفى في نفس الأسبوع!». تجمدتُ مكاني، وقلبي بدأ يخفق بشدة: «يعني إيه؟ الجنين ما اتسلمش للست دي؟». تابع الضابط بجدية: «الست ثريا خافت من الفضيحة والملاحقة القانونية لما عرفت إن التفتيش دخل المستشفى وفيه تحريات، فرفضت تستلم الطفل وسحبت الجزء الأكبر من الفلوس، وفوزية والممرضة خافوا يبقوا بالطفل أو تنكشف ، فعملوا خطة ثانية سريعة عشان يتخلصوا من أثر الجريمة وفي نفس الوقت ما يرجعوهوش ليكي وأنتِ في الغيبوبة».
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.