. مصطفى بدأ يفتش عن شغل جديد في مصر، يفتح بيه باب رزق من الصفر بعد ما تصفى حسابه، وكان بيحاول يتأقلم مع واقع السوق الصعب، ومواجهة الالتزامات اليومية للمنزل والعيال من غير السيولة اللي كانت معاه. وفجأة.. وفي يوم عادي جداً ومصطفى بيحاول يدبر مصاريف البيت، جاله اتصال تليفوني من رقم دولي من إيطاليا! الرقم كان لشريكه الإيطالي القديم في المزرعة اللي كان شغال فيها قبل ما يرجع..
الشريك اتكلم بنبرة مستعجلة وقاله خبر قلبت كل الموازين من جديد، وخلاه يقف في نص الصالة مش مصدق اللي بيسمعه! أمسك مصطفى بالهاتف ويداه ترتجفان، وصوت صاحب المزرعة الإيطالي “ماركو” يتردد عبر الهاتف بنبرة حماسية متسارعة: “مصطفى! أين أنت يا رجل؟ لقد بحثت عنك كثيراً! الأوراق التي قدمناها قبل مغادرتك للحصول على الترخيص الزراعي وشراكة الصوب الحديثة تم قبولها رسمياً من الحكومة هنا!
المزرعة حصلت على دعم حكومي وتسهيلات كبرى، وأنا بحاجة إليك فوراً لتتسلم إدارة المشروع كشريك بالجهد والمجهود، حصتك في الأرباح محفوظة وموقعة رسمياً، وعليك العودة فوراً للبدء!” أغلق مصطفى الهاتف، وظل واقفاً في منتصف الصالة كأنه في حلم. تحول وجهه من الشحوب إلى الذهول، ونظر إليّ والدموع تتجمع في عينيه مجدداً، ولكنها كانت دموع الفرج هذه المرة. وقال بنبرة طفولية تخالطها الصدمة: “سمر.
. ربنا ما بيضيعش حق حد، ولا بيقفل باب في وش حد استغفر ورجع للحق! السفرية اللي كنت فاكر إنها انتهت، بتتفتح لي تاني ومن باب أوسع.. باب شراكة رسمية وحلال، من غير ما أمد إيدي للحرص أو آكل حق يتيم!” سجد مصطفى على أرض الصالة سجدة شكر طويلة، يتعالى فيها صوته بالبكاء والبكاء، كأن كل الهموم التي تراكمت على صدره منذ لحظة طمعه في ذهب أخته انزاحت في تلك اللحظة.
خلال أيام معدودة، بدأت الإجراءات. لكن مصطفى هذه المرة لم يكن ذلك الرجل المغرور الذي تعميه المادة؛ بل كان إنساناً آخر تعلّم الدرس من القاع. أول خطوة خطتها قدماه قبل حجز تذكرة الطيران، كانت الذهاب إلى شقة أخته سعاد. دخل مصطفى الشقة، وكانت سعاد تجلس مع ابنها بكار يراجع دروسه. أخرج مصطفى من جيبه مظروفاً فيه عقد ابتدائياً وتفويضاً رسمياً، وحطه قدام أخته وقال لها بنبرة ملؤها الاحترام: “يا سعاد..
ربنا فتحها عليا تاني ومن وسع، وأنا مسافر إيطاليا كمان أسبوعين بصفتي شريك مش مجرد عامل. العقد ده تفويض بثلث أرباحي اللي هتوصل شهرياً للبنك، تدخل حسابك فوراً لحد ما الـ 12 جرام المتبقيين يتردوا دهب زي ما اتفقنا، وفوقهم إكرامية لعيال أخويا.. وعهد عليا قدام ربنا، مش هيدخل بيتي مليم إلا لما تكوني أنتِ وعيالك شبعانين ومرضيين.
” سعاد بصت لأخوها، والابتسامة الصافية عادت لعلامات وجهها، وقالت له بصوت دافئ: “أنا مش عاوزة غير سلامتك يا مصطفى، وأنك تفضل السند اللي أرفع راسي بيه. الـ 12 جرام هيرجعوا لما ربنا ييسرها، وأنا أدعي لك في كل صلاة إن ربنا يفتحه عليك ويردك لينا سالماً.” قبّل مصطفى رأس أخته وإيدها، وأخذ بكار في حضنه ووعده إنه هيجيب له معاه أفضل الأجهزة لما يرجع في الإجازة.
المرة دي، كانت العيلة متجمعة على صافي، مفيش غش، ولا طمع، ولا دعوة مظلوم تتشال في القلوب. جاء يوم السفر.. جهّز مصطفى شنطه، وودعنا أنا والعيال في المطار بدموع الفرحة والرجاء، وسافر وهو حاسس إن دعوات سعاد ونقاء نيته المرة دي هما الشراع اللي هيحرك سفينته في الغربة. مرت ستة أشهر كأنها نسيم..
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.