وصلنا الميدان قبل الساعة تسعة بسبع دقائق. كانت الصاغة لسة بتفتح أبوابها الحديدية، والشوارع متوترة والناس واقفة طوابير قدام محلات الذهب بيراقبوا الشاشات الحمراء اللي بتغير الأرقام كل بضع دقائق. عند باب “محلات أمانة للذهب والمجوهرات”، كانت سعاد واقفة ومعاها ابنها بكار، ومعاهم محامي الأسرة. سعاد كانت لافة شالها، وجهها هادئ ولكن فيه حسم لا يلين.
لما شافت مصطفى نازل والشنطة في إيده، خطت خطوة لقدام وقالت بوقار: “حمد لله على السلامة يا مصطفى. الجرامات جاهزة للوزن والقطع متحددة عند الحاج “سليمان” جوة.” دخلنا المحل. الحاج سليمان، السايغ العجوز اللي وزّن الذهب من سنتين فاتوا، كان قاعد ورا الفاترينة المضيئة، حاطط نظارته على طرف مناخيره ويراجع الدفتر القديم. رفعت سعاد المحضر والإيصال، والحاج سليمان هز رأسه وقال: “أيوة، الـ 100 جرام دول أنا وزنتهم حتة حتة قبل سفرك يا مصطفى.
. كان فيهم غوايش بلدي وسلسلة عيار 21 وثقيلة.” مصطفى حط الشنطة على الفاترينة بصوت مكتوم، وقال بصوت : “اتفضل يا حاج سليمان.. احسب الـ 100 جرام بسعر النهاردة، الفلوس أهي.” الحاج سليمان بص للشاشة المربوطة بالبورصة، ضرب على الآلة الحاسبة ببطء قاتل، وكل ضربة على الزرار كانت بتنزل على قلب مصطفى زي المطرقة. السايغ رفع عينه وقال بصوت هادئ: “السعر حرك من عشر دقائق يا أستاذ مصطفى.
. الـ 100 جرام عيار 21 بالدمغة والمصنعية الجديدة أو الشراء الخام كسر هيعملوا المبلغ ده…” وكتب الرقم على ورقة صغيرة ودفعها لمصطفى. مصطفى بص للرقم، وعينيه أتسعت برعب: “إيه؟! الرقم ده أكتر من الشنطة دي بـ 70 ألف جنيه! يا حاج سليمان اتقِ الله، أنا لسة ساحب الفلوس من البنك من ساعة واحدة بس!” رد الحاج سليمان بجمود التجار: “يا ابني دي بورصة، أنا بايع وشاري، الذهب ما بيكبرش حد ولا بيجامل حد.
الشاشة قدامك اهي، والجرام مابيستنّاش حد.” هنا ألتفت مصطفى لسعاد، وعينيه مليانة دموع وقهر حقيقي لأول مرة، وقال بصوت مكسور: “سعاد.. أبوس إيدك، الفلوس اللي في الشنطة دي هي كل ما أملك في الدنيا! سحبت الحساب كله، لو دفعتهم وحطيت فوقهم أي حاجة مش هيفضل معايا ولا مليم لأكلي وأكل عيالي! خدي المبلغ اللي معايا ده النهاردة، واكتبيلك إنبي باقي الـ 70 ألف على شيك أو أصبر عليا شهرين أتصرف فيهم!
” سعاد بصت للشنطة، وبصت لأخوها اللي بقى واقف قدام الناس في المحل كأنه يشحت حق أخوته. بكار ابنها بص لأمه وشد عبايتها كأنه بيحثها على الرفض، والمحامي بتاعها حط إيده في جيبه ومستني القرار. سعاد سكتت لثوانٍ طويلة، السكون جمد الحركة في المحل تماماً، حتى الحاج سليمان وقف إيده عن التقليب في الذهب وبص لها.
. الجميع كان ينتظر القرار الذي سيحدد: هل ستأخذ الأرملة حق يتاماها كاملاً بالجنيه والفرك دون رحمة لتثار لنفسها وما جرى لها، أم أن الدم يحن في اللحظة الأخير؟
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.