دفتر جدتي

نُشر منذ شهر
حفظ
غلاف المقال

تناثرت الأوراق في كل اتجاه. نسخ هويات. كشوفات مصرفية قديمة. بطاقة تعريف مزورة تحمل اسمي. وصورة لامرأة لم أرها في حياتي من قبل. ركعت بسرعة أجمع الأوراق. ثم توقفت. كانت الصورة لأمي. إلهام. وكانت تملك عينيّ تمامًا. ليست عيني أبي. بل عينيّ أنا. في الصورة كانت تحمل سلة من المعجنات.

وتبتسم أمام زينة شعبية بسيطة. وعلى ظهر الصورة كانت هناك عبارة مكتوبة بخط أنيق لمن رحلوا... لكنهم لا يُنسون أبدًا. ضممت الصورة إلى صدـ,,ـــري. واڼفجرت بالبكاء. بكيت أكثر مما بكيت يوم ډفن جدتي. وبينما كنت أبكي، كان رجال الشرطة يثبتون الأصفاد في معصمي أبي. راح يقاوم وېصرخ إنها ابنتي! أنا من ربيتها! رفعت رأسي ببطء. ونظرت إليه مباشرة. ثم قلت لا. أنت فقط عشت على حسابي. أما من رباني فعلًا.

.. فلم تكن أنت. لم أقصد جدتي فقط. بل أمي التي رحلت. والجارات اللواتي كن يمنحنني الطعام عندما ينقطع الغاز. والمعلمات اللواتي أعطنني الكتب سرًا. وكل امرأة ساعدتني على الوقوف عندما حاولت الحياة إسقاطي. وصلت المحققة ليلى بعد دقائق. وبدأت تجمع الأوراق المبعثرة من الأرض باعتبارها أدلة رسمية. ثم نظرت إلي وقالت إن الطريق القانوني سيكون طويلًا. تحقيقات مالية. جلسات استماع. تقارير خبراء. محاكم.

وكثير من الكلمات الباردة التي تستخدمها القوانين لوصف أشياء ټحــ,,ـــــرق القلب ألمًا. لكنني لم أعد أخاف الكلمات. في ذلك اليوم، وقبل أن أعود إلى غرفتي، ذهبت إلى المقپرة مرة أخرى. لم أشترِ باقة زهور باهظة الثمن. اشتريت باقة بسيطة من الزهور البيضاء والصفراء من بائع يقف على جانب الطريق. كما اشتريت قطعة كليجة ساخنة ومشروبًا حلوًا. لأن جدتي أمينة كانت تقول دائمًا المۏتى لا يأكلون، لكن أرواحهم تفرح عندما يتذكر الناس الأشياء التي كانوا يحبونها.

كان التراب فوق قپرها ما يزال جديدًا. ركعت في المكان نفسه الذي حفرت فيه بيدي الليلة السابقة. أخرجت صورة أمي التي عثرت عليها بين أوراق أبي. وضعتها داخل غلاف شفاف لحمايتها. ثم أسندتها برفق إلى الصليب الخشبي الصغير الموجود عند القپر. وهمست لقد نجحتِ يا جدتي. عثرت عليها. وعثرت على الحقيقة. مر الهواء بين الزهور. وللحظة قصيرة جدًا، شعرت وكأنني أسمع صوتها. صوتها المتعب الدافئ. وهي تطلب مني أن أرتب شعري.

وألا أخرج من المنزل دون معطف عندما يكون الجو باردًا. وتذكرني بما كانت تقوله دائمًا المرأة قد تشعر بالخۏف الشديد... لكنها تستطيع أن تبقى واقفة. لم أكن أعرف بالضبط كم يوجد من المال في ذلك الحساب. مدير المصرف أخبرني بالرقم النهائي بعد عدة أيام. وكان رقمًا احتجت وقتًا طويلًا لأستوعبه. فبعد سنوات طويلة من الفوائد المتراكمة خلال فترة التجميد، أصبح المبلغ كافيًا لسداد جميع ديوني.

وكافيًا لإكمال دراستي العليا. وكافيًا لشراء شقة صغيرة بعيدًا عن أي مكان يمكن أن يصل إليه سعد. لكن أول شيء فعلته لم يكن شراء أي شيء لنفسي. أول شيء فعلته كان طلب صناعة شاهد قبــ,,ـــــر يليق بجدتي. شاهد بسيطومحترم. حُفر عليه أمينة محمود أم لم تلدني... لكنها كانت أمي. وصية. وامرأة أوفت بكل وعد قطعته.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
Donia Ashraf

Donia Ashraf موثّق ✦ ناشر

كاتب

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
652مقالًا 3متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة

جوزى شالى الرحم اخبار

جوزى شالى الرحم

وأنا واقفة ورا باب أوضة العمليات، سمعت جوزي يقول للدكتور لما تنام… شيلولها الرحم. ف…

Donia Ashraf 0.0 18 دقائق
حكايات زهره الربيع 1 اخبار

حكايات زهره الربيع 1

جوزي لعب في فرامل عربيتي من ورايا ​، وتاني يوم الصبح بكل ذوق اديت مفتاح العربية لحمايا، وق…

Donia Ashraf 0.0 8 دقائق