هند كانت بتشوف حسن من بعيد، من ورا شيش البلكونة لما كان بيجي يزور عمه في الأعياد. كان بالنسبة لها زي البطل اللي بيجي في الروايات؛ هيبة، وأدب، وطيبة. لما حسن قعد معاها في المندرة، وقالها الحقيقة المرة؛ إنه بيحب طليقته، وإنه طلقها بس عشان يرضي أمه، وإنه مش هيقدر يديلها قلبه.. حسن كان فاكر إنها هترفض. بس هند ما فكرتش في قلبه.. هند فكرت في "النجاة".
بالنسبة لبنت بتدوق الذل كل يوم في بيت أبوها، حسن -حتى بقلبه المكسور- كان هو الأمان. كان الراجل اللي هيخرجها من جحيم مرات أبوها لبيت محترم يحميها. قالتله بصوت ثابت: "أنا موافقة يا حسن بيه. البيوت بتتبني بالاحترام، والمحبة بتيجي مع العشرة. وأنا هصون بيتك وأمك."حسن قام وقف، وبص لها بنظرة فيها شوية احترام وشوية شفقة، وقال: "كتب الكتاب الجمعة الجاية في دوار العيلة. لو رجعتي في كلامك، بلغيني.
"يوم الجمعة، الدوار كان منور بأنوار زاهية، والطباخين دبحوا العجول، والمعازيم مالين المكان. الحاجة فاطمة كانت قاعدة في صدـ,,ـــر المكان، لابسة عبايتها القطيفة السودا ومبتسمة ابتسامة نصر، بتبص للحاضرين وكأنها بتقول: "أنا اللي كلمتي بتمشي في الآخر."وفي الركن البعيد، كانت هند لابسة فستانها الأبيض البسيط، بتبص لحسن من ورا الستارة، وعارفة إن السكة مش سهلة، بس جواها يقين إن اللي صبرت السنين دي كلها، قادرة تخلي البيت ده مملكتها.. ولو بعد حين.
الحاجة فاطمة كانت قاعدة وعينيها بتلف في الصوان زي الصقر، مفيش فوتة ولا همسة بتعدي من تحت إيدها. أول ما المأذون قال: "بارك الله لكما وبارك عليكما"، الزغاريد قطعت نفس المكان، بس حسن مكانش سامعها. كان حاسس إن القلم اللي بيمضي بيه على الدفتر أتقل من جبل أحد. بص لأخوه الكبير ومسك إيده جامد، وكأنه بيستنجد بيه من ورطة هو اللي رمى نفسه فيها.
المعازيم بدأوا يمشوا، والدوار فضي ومبقاش فيه غير أهل البيت. الحاجة فاطمة وقفت، عدلت شالها وبصت لهند اللي كانت واقفة في ركن الأوضة زي الحمامة الخايفة، وقالت بنبرة حامية وفيها أمر: "اسمعي يا بت يا هند. . انتي دخلتي بيت الجبالي يعني دخلتي طوعي. حسن ولدي سيد الرجالة، والبيت ده ليه أصول. تصحي من النجمة، تشوفي طلبات جوزك وطلباتي أنا الأول قبل أي حد. فاهمة ولا لاه؟
"هند هبطت عينيها الأرض، وبلعت ريقها وقالت بصوت واطي بس واعي: "فاهمة يا حاجة، أصولكم على راسي من فوق."حسن بص لأمه بقلة حيلة، وقرب من هند ومسكها من إيدها براحة: "تعالي يا هند.. قوامك على فوق."أول شهرين عدوا وهند عايشة زي الألف. بتنفذ كل كلمة تقولها الحاجة فاطمة من غير ما تنطق بحرف "لأ". تطبخ، وتغسل، وتوضب، ومرات أبوها لما كانت بتكلمها في التليفون عشان تشمت فيها وتقولها: "عملوا فيكي إيه الأسياد؟
"، هند كانت بترد ببرود: "شايليني في عيونهم يا مرات أبويا."أما حسن.. فكان عايش معاها زي الغريب. يدخل الأوضة بالليل، يرمي جلبابه، ويقعد على طرف السر,,ـــــير باصص في الأرض بالساعات. هند كانت بتجيب له العشا، تقلع له جزمه، وتتكلم معاه بالراحة عن أحوال المحل والتجارة. حسن بدأ يلاحظ إن البت دي مش زي ما أمه قالت "غلبانة وبتسمع الكلام وبس".. لأ، هند كانت ذكية، عاقلة، وبتعرف تختار كلمتها بالملقاط.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.