ولو قالت: ـ أعملك حاجة؟ يرد: ـ لا، خلاص شبعت. ومع الوقت، بقى الأكل عندي عادة بالنسبة له. كان ييجي من الشغل ويدخل عليّ كأنه داخل بيته. يلاقي السفرة جاهزة، والأكل اللي بيحبه موجود، والبيت هادي، والولاد حواليه. وأنا ما كنتش بقول له: ـ مراتك مش بتعملك أكل. ولا كنت بلمح لها بكلمة. بالعكس، كنت أقول له: ـ روح بقى، أكيد مراتك مستنياك.
لكن جوايا كنت عارفة إن كل مرة بياكل فيها عندي، وكل مرة بتصل بيه عشان فلوس، وكل مرة يحصل بينهم نقاش بسببي، أنا بقرب خطوة من الحاجة اللي عايزاها. وبدأت هي نفسها تتغير. بقت تسأله كتير: ـ إنت ليه بتروح عندها كل يوم؟ فيقول: ـ عشان أشوف الولاد. فترد: ـ والولاد محتاجينك كل يوم للدرجة دي؟ كان يسكت. وأنا كنت مستمرة في هدوئي. لا خناق. لا تهديد.
لا فضايح. ولا حتى كنت أحاول أظهر قدامه إني مستنية رجوعه. كنت بالعكس، كل ما زاد تعلقه بالمكان، أبدأ أختفي منه شوية. لحد ما بقى هو اللي يتصل يقول: ـ إنتِ عاملة أكل إيه النهارده؟ وأنا أضحك وأقول: ـ ليه؟ هتيجي؟ فيرد بسرعة: ـ آه، جاي. وقتها كنت أقفل المكالمة وأنا مبتسمة. لأني لأول مرة من يوم ما اتجوزها، بقيت أنا اللي أحدد إمتى ييجي… وإمتى يحس إنه محتاج ييجي.
وبعدها قررت ادخل فى الخطه التالته بعد ما حسيت إن وجودي بقى جزء من يومه، وإنه بدأ يتعود على أكلي ومكالماتي واهتمامي، قررت أبدأ المرحلة التالتة. المرحلة دي كانت أصعب من كل اللي فات. لأني المرة دي مش هقرب منه… أنا هبعد. كنت عايزة أحسسه إن كل اللي عمله معايا له ثمن، وإن صبري اللي طول الفترة اللي فاتت مش معناه إني رضيت باللي حصل. فجأة بطلت أدلعه. بطلت أقول له: “حبيبي”.
وبطلت أستقبله بنفس الابتسامة. حتى الأكل اللي كان بيحبه، بقيت أعمله عادي من غير ما أكون مستنياه مخصوص. وفي يوم دخل عندي كعادته، حط مفاتيحه على الترابيزة وقال: ـ عاملة أكل إيه؟ بصيت له من غير ابتسامة وقلت: ـ الأكل موجود اجبلك تاكلاستغرب وقال: ـ مالك؟ ـ مافيش. ـ لا، في حاجة. سكت شوية، وبعدين قلت: ـ إنت شايف إن مافيش حاجة؟ قرب مني وقال: ـ يعني إيه؟
بصيت له وقلت: ـ يعني أنا تعبت. اتغيرت ملامحه: ـ تعبتي من إيه؟ ـ من كل حاجة. ـ وضحي. ضحكت ضحكة قصيرة وقلت: ـ إنت عايزني أوضح بعد كل الوقت ده؟ سكت. وأنا كملت: ـ بقالك فترة مش بتبات هنا خالص. بقيت تيجي تقعد شوية وتمشي، وأنا كل مرة أقول معلش، أصل عنده حياته الجديدة، أصل مراته مستنياه، أصل هو اختار… لكن أنا كمان ليا طاقة وليا كرامة.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.