حكايات انجى الخطيب 1
أول ما وصلت أنا وولادي بيت حماتي لاقيتها بتقولي اية اللي جابك أنا معنديش أكل يكفيكي إنتِي والعيال!" قالتها حماتي وهي واقفة قدام سفرة مليانة أكل. لقيت السفرة متحضّرة على آخرها، وأكل يكفي عشرين شخص، وعلى الكنبة كانت قاعدة واحدة لابسة فستان أحمر شيك وماسكة كوباية عصير، وهي الست اللي حماتي طول عمرها نفسها تجوزها لابنها.
وقبل حتى ما ألحق أسلّم، سمعت صوت حماتي وهي بتقول لابنها قدامي:—إنت يا حبيبي ادخل… إنما هي والعيال دول، أنا ماعنديش لهم حتى حتة عيش. الكلمة نزلت عليّا كأنها قلم على وشي. وقفت مكانّي عند باب شقة حماتي في التجمع، وأنا ماسكة إيد ابني ياسين، اللي عنده 8 سنين، وبنتي ملك، اللي عندها 5 سنين، كانت مستخبية ورا رجلي من الإحراج.
الغريب إن السفرة اللي قدامنا كانت مليانة أكل… صواني مكرونة بالبشاميل، فراخ محمرة، محشي، كفتة، سلطات، عيش بلدي، وحلويات متحضرة مخصوص. وعلى الكنبة كانت قاعدة ريهام، البنت اللي حماتي بقالها سنين بتتكلم عنها، وكل شوية تقول لابنها:"يا ابني دي بنت ناس وتستاهلك."بصيت لجوزي كريم، مستنية منه يقول أي كلمة.
أي كلمة حتى. لكنه فضل ساكت. أنا كنت جاية البيت ده من الصبح وأنا بفكر إزاي أفرّحهم. كنت عاملة صينية كنافة بإيدي، وحطاها في علبة متقفلة كويس. ياسين كان راسم كارت صغير لجده وجدته، وكاتبه بإيده:"كل سنة وإنتوا طيبين.
"وملك كانت ماسكة زينة صغيرة عملتها في المدرسة بمناسبة المولد، وفرحانة إنها هتديها لجدتها. ولا واحد فيهم كان فاهم إن الزيارة دي أصلًا ماكنتش معمولة عشانهم. حماتي دخلت المطبخ، خدت طبق وحطت فيه شوية بواقي فراخ وعظمتين وحتة عيش ناشفة، وحطته قدام العيال.
وبصتلي وقالت ببرود:—لو العيال جعانة، ياكلوا من ده. حسيت بإيد ياسين وهي بتشد على إيدي. بصلي وقال بصوت واطي:—ماما… أنا مش عايز آكل. الجملة دي وجعتني أكتر من كل الكلام اللي اتقال. لأني افتكرت العشر سنين اللي فاتوا.
عشر سنين وأنا بستحمل كلام حماتي على لبسي، وعلى شكلي، وعلى طريقة تربيتي لولادي، وحتى على أهلي. كنت بعدّي كلامها في أعياد ومناسبات كتير، وأسكت لما تتجاهلني قدام الناس. وكنت أطبخ وأجهز العزومات، وفي الآخر ألاقيها بتقول للناس إن هي اللي عملت كل حاجة.
وحتى لما جوزها كان بيتعب، كنت أنا اللي بروح المستشفى وأفضل جنبه بالساعات لما محدش كان فاضي. وكل مرة كنت بقول لنفسي:"مش هحط كريم بيني وبين أمه."لكن وأنا شايفة ابني بيبصلي وهو مكسوف، وبنتي لازقة في رجلي، فهمت حاجة لأول مرة.
أنا ماكنتش بحافظ على البيت. أنا كنت بعلم ولادي إنهم يقبلوا الإهانة عشان ما نخسرش حد. بصيت لحماتي وقلت بهدوء:—خلي الطبق ده عندك. رفعت حاجبها وقالت:—نعم؟!رديت وأنا ثابتة:—ولادي مش هياكلوا بواقي، ولا هيتعاملوا كأنهم ضيوف درجة تانية. كريم قرب مني وقال:—يا سارة، لو سمحتي… إحنا جايين نقعد شوية ونمشي.
بصيت له، وكنت مستغربة إنه لسه مش شايف اللي بيحصل. وقلت:—بالظبط… وإحنا خلاص هنمشي. استنيت إنه يقوم وياخد جاكيتُه ويمشي معانا. لكنه ما اتحركش. وفي اللحظة دي، سمعت صوت ريهام من الصالة:—كريم… تعالى شوف الصور اللي جبتها من شرم الشيخ. بصيت له. هو بص ناحيتها. اتردد ثانية واحدة بس.
الثانية دي كانت كفاية عشان أفهم كل حاجة. لبست ولادي هدومهم، وخدت شنطتهم، وشيلت علبة الكنافة من إيدي، ومشيت من غير ما أستنى كريم. ولا حماتي حاولت توقفني. ولا حتى قالتلي كلمة. خرجت من العمارة، ووقفت على أول الشارع لحد ما طلبت تاكسي.
ياسين كان ساكت طول الطريق، وملك كانت باصة من الشباك ومش فاهمة ليه ماما مش بتتكلم. بعد حوالي ساعة، كنت قاعدة أنا والولاد في محل حلويات قريب من ميدان الحصري، قدامنا أطباق تشوروس وشوكولاتة سخنة.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.