. العيال اتعشوا ولا ناموا جعانين؟ حاولت أصرخ، لكن صوتي اتحبس في حلقي. الضلمة كانت تقيلة لدرجة إني مكنتش شايفة كف إيدي، بس كنت حاسة بوشها قريب من وشي. العيال.. العيال كويسين يا زينب.. نطقت الكلمات دي بصعوبة وأنا بحاول أهدي الأمور، لكن الموقف كان رهيب. فجأة، بدأت الأشكال اللي في الركن تنور بضوء باهت، خيط رفيع من النور طالع من كل مكان ورايح ناحية السقف، وكأن البيت كله فوقنا بقى متوصل بيهم.
مع كل حركة، كنت بسمع صوت عيل من الولاد فوق وهو بينادي بصوت قصير ومكتوم. ياسين! إلحق أخواتك يا ياسين! نديت عليه وأنا بلف أدور عليه في الضلمة، لكنه كان اختفى، مكنش فيه غير صوته اللي جاي من كل زاوية في الأوضة: مفيش أخوات يا خالتو.. مفيش إلا العهد. الست سابتني فجأة ووقعت على الأرض وهي بتئن، وجسمها بدأ يهدى.
في اللحظة دي، النور زاد، وشفت الحيطة اللي ورا السر,,ـــــير بتتشقق، وظهر من وراها ممر تاني ضيق جداً، وطالع منه صوت خطوات تقيلة ومنتظمة.. خطوات محمود. الخطوات كانت بتقرب، ومع كل خطوة كان البيت فوقنا بيتهز. عشر سنين يا زينب.. عشر سنين وأنا بجهز البديل، صوت محمود جه من الممر، بس مكنش صوته اللي أعرفه، كان صوت خشن ومحشرج.
ظهر محمود من الضلمة، بس مكنش كبر يوم واحد من ليلة الدــ,,ـــــادثة، لبسه لسه نضيف، وملامحه لسه شباب، وكأنه متجمد في الزمن. بصلي ببرود وقال: كنتي فاكرة إن الدــ,,ـــــادثة كانت قضاء وقدر؟ أنا اللي بعدت العربية، وأنا اللي سحبت زينب هنا قبل ما الشرطة توصل، كان لازم الناس تفتكر إننا متنا عشان نعيش الحقيقة هنا.. تحت الأرض.
قرب من الست المرمية على الأرض ولمس راسها بهدوء، وبعدين بصلي وعينه اتحولت للون غامق: زينب خلصت طاقتها، والبيت محتاج روح جديدة تشيله.. روح عاشت وحبت وربت بصدق، زيك يا أختي. ياسين ظهر فجأة جنب أبوه، وماسك في إيده مفتاح قديم عليه رموز مكنتش قادرة أفهمها. ياسين.. أنا اللي ربيتك.. قولتله وأنا بنهار، بصلي بكسرة للحظة، لكنه سرعان ما استعاد جموده وقالي: عشان كدة أنتي أحسن واحدة للعهد.
. قلبك هو اللي هيربط المكان ببعضه للأبد. محمود بدأ يتمتم بكلمات، والأشكال بدأت تتهز وتتحرك من مكانها، تقرب مني بخطوات هادئة، وعيونها الشمعية بدأت تفتح.. وفي اللحظة اللي محمود رفع فيها إيده عشان يديني إشارة النهاية، سمعت صوت خبط عنيف على باب السرداب من فوق، وصوت حد من الولاد برا بيصرخ: يا خالتو!
ياسين بيحاول يحبسنا! افتحي الباب! الخبط اللي فوق كان مرعب، وكأن البيت كله بيحاول يتهد على روسنا. محمود اتنفض وملامحه الهاوية اتحولت لغضب، بص لياسين وزعق بصوت زلزل جدران السرداب: اخلص! العهد بيتهز! لو حد دخل قبل ما الأمور تتم، السقف ده هينزل علينا كلنا!
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.