خطيبي حكايات روماني مكرم ٤

نُشر منذ 3 أسابيع
حفظ
غلاف المقال

مرّت أعوام قليلة، واكتملت لوحة العوض في حياة مريم لتغدو قصّة يتردد صداها بين كل من عرفها. كانت تقف في شرفة شقتها الواسعة، ترتدي فستاناً أبيضَ هادئاً كأنما يُنسج من الضوء، وشعرها ينثال على كتفيها بنعومة، بينما كانت تداعب طفلها الصغير الذي يحمل ملامح والده الرزينة.

جاء طارق من خلفها، وحاطهما بذراعيه بلمسة أمان ودلال، ينظر إليها ببريق حبه المعهود ويطبع قبلة دافئة على رأسها، مكرراً كلمته التي لم تتغير مع الأيام: "إنتِ نِعمتي وعزي يا مريم".عاشت مريم في رغد العيش وراحة البال، ليس لأنها جمّلت مظهرها فحسب، بل لأنها قدرّت روحها أولاً، وعرفت أن الكرامة هي تاج الأنوثة الحقيقي.

استعادت نضارتها وجمالها وصحتها، وعاشِت ملكة في بيت رجلٍ أدرك أن الجوهرة الاصيلة تُصان وتُرفع، ولا تُقاس بقشور الأيام ولا بلفحات الشقاء. أما حازم، فقد أصبحت حياته جحيماً سرمدياً لا ينتهي. عاش بقية أيامه جسداً بلا روح، هائماً في شوارع الندم، يُعاقب بأصعب أشكال العقاب؛

عقاب العقل الذي لا يكف عن التفكير، والقلب الذي لا يكف عن النزيف. لم يتزوج، ولم تجد السكينة طريقاً إلى صدره. كان كلما رأى امرأة مجهدة في الطريق، تذكر ليلة قسوته وجفائه، وكلما رأى حسناء ترفل في عزها، تمثلت له مريم بجمالها الأخير وبشرتها النضيرة، ليرن في أذنيه صدى صوته القاسي المسموم، ويتجرع مرارة الخيبة التي صنعها بيده.

صار حازم عبرة لمن يحسبون أن المشاعر لعبة، وأن الوفاء يُقابل بالغدر والاستعلاء. الحكمة:تتجلّى حكمة هذه القصة في أن "الكرامة هي القوام الحقيقي للجمال، والعزة هي جوهر الأنوثة". * الجمال قشرة، والمعدن هو الأثر: إن الرجل الذي يعمى عن أصل المرأة وشهامتها وشقائها لأجله، ولا يرى فيها سوى ظواهر القشور، هو رجل لا يستحق أن يبني بيتاً؛

لأن الأحداث والسنوات والمرض تبتلي الأجساد، ولا يبقى سوى جمال الروح والأصل الطيب. * الكسر في أوقات الضعف جريمة لا تُغتفر: أن تطرق على جرح إنسان وهو مريض أو مجهد، وأن تعايره بآثار التعب الذي تحمله لأجلك، هو تجرد من الإنسانية والمرؤة.

والضربات التي تُوجه للقلوب في لحظات ضعفها تقتلها تماماً، ولا تنفع معها اعتذارات المتأخرين. * الرفعة أبلغ رداً من الانتقام: لم يكن نهوض مريم واهتمامها بنفسها انتقاماً من حازم، بل كان "استرداداً لذاتها". إن أصلح صفعة تُوجه لمن استهان بك، ليس بالشجار ولا بالسبّ، بل بأن تتطور، وتنجح، وتزداد تألقاً وكرامة، حتى يراك من أعلى، ويستوعب أنه كان يمتلك كنزاً وثميناً فرط فيه بأبخس الأثمان.

* العدل الإلهي في العوض: من ترك شيئاً لله عز وجل، صائناً لكرامته ونفسه، عوضه الله بأفضل منه. القسوة التي ظنت مريم أنها نهايتها كانت في الحقيقة بدايتها الحقيقية لتعرف قدر نفسها، وليُساق إليها رجلٌ يرى في شقائها القديم شرفاً، وفي جمالها الحاضر نعمةً يصونها إلى الأبد.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
Donia Ashraf

Donia Ashraf موثّق ✦ ناشر

كاتب

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
683مقالًا 3متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة

بعد ما تبرعت روايات

بعد ما تبرعت

بعد ما اتبرعت بدم عشان أنقذ جوزي المستقبلي، لمحت اسمي مكتوب على كيس الدم جوه صندوق تبريد. …

Donia Ashraf 0.0 8 دقائق
الحلاق ابني روايات

الحلاق ابني

الحلاق بتاع ابني اللي عنده 9 سنين وطى عليا بعد ما خلص حلاقة وهمسلي لما تروحي البيت بصي ورا…

Donia Ashraf 0.0 13 دقائق