خطيبى حكايات رومانى مكرم 4 مرّت الأيام متتابعة، وجاءت الليلة التي طال انتظارها؛ ليلة الزفاف. كانت القاعة المنسقة على أعلى مستوى تتلألأ بالأضواء الدافئة، وأصوات الموسيقى المبهجة تعزف ألحان الفرح والكرا…
خطيبى حكايات رومانى مكرم 4
مرّت الأيام متتابعة، وجاءت الليلة التي طال انتظارها؛ ليلة الزفاف. كانت القاعة المنسقة على أعلى مستوى تتلألأ بالأضواء الدافئة، وأصوات الموسيقى المبهجة تعزف ألحان الفرح والكرامة. دخلت مريم القاعة كالملكات، ترتدي فستان زفاف أبيض ناصعاً، متفصلاً على قوامها الممشوق ببراعة ساحرة، ينسدل بجمال ورقة، بينما كان حجابها المنور ومكياجها المتقن يبرزان نضارة وجهها الصافي وعينيها اللتين تتألقان بثقة ونور.
كان طارق يقف في انتظارها عند أول الممر، وما إن اقتربت منه حتى دمعت عيناه من شدة الإعجاب والفخر، انحنى وقبّل رأسها باحترام ورجولة، ثم أمسك يدها بثبات وقوة كمن يحمل أغلى كنز في حياته.كانت مريم تتنفس السعادة بكل جوارحها، تشعر أن كل قطرة عرق شقتها في الماضي، وكل حرقة دموع ذرفتها يوم الإهانة، قد عوضها الله عنها بعز وحب وقدر رفيع.
أما في الجانب الآخر من المدينة، وفي تلك اللحظات بالذات، كان حازم يتخبط في شوارع الحي المجاورة للقاعة كالمجاذيب.
لم يستطع البقاء في بيته، ولا تحمل صوت أمه وهي تبكي على حاله. كان يسير بخطوات مكسورة، ذابلاً، شاحب الوجه، يرتدي معطفاً متهالكاً، يجر قدميه في البرد القارس وهو يتخيل تفاصيل الحفل التي نقلها له أصدقاؤه رغماً عنه.دفعه جنونه وندمه المشتعل إلى أن يسير حتى وصل إلى المحيط الخارجي للقاعة.
وقف خلف الأسوار الحديدية الخارجية، يحتمي بظلال الأشجار المظلمة، وعيناه المحمرتان تتطلعان عبر النوافذ الزجاجية الكبيرة الضخمة. رآها.. رآها وهي تتوسط القاعة في رقصتها الأولى مع طارق.
رآها تضحك من أعماق قلبها، وتضع رأسها على صدر طارق بأمان مطلق. رأى كيف يطوقها طارق بذراعيه بحماية وحب، وكيف ينظر إليها الجميع بأعجاب وانبهار شديدين. في تلك اللحظة، امتدت يد حازم المرتعشة لتمسك بالسور الحديدي القاسي، وانهمرت دموعه الساخنة تحرق وجنتيه الجافتين.
كانت الكلمات المسمومة التي ألقاها عليها في ليلة مرضها تتردد في ذهنه كالمطارق: "بقيت أقرف منك.. ومش شايف فيكِ أي أنوثة ولا بتشديني نهائي!".عصر قلبه الندم القاتل؛ الفتاة التي نعتها بالقرف والتقزز لأنها أُجهدت وشقت لبناء بيتهما، أصبحت الآن عروساً كالفراشة، تضج بالأنوثة والجمال، ولكن في أحضان رجل آخر عرف كيف يقرأ معدنها ويحترم شقاءها.
حاول حازم أن يرفع صوته، أن ينادي باسمها من خلف السور علّها تلتفت، لكن صوته خرج حشرجة خافتة ماتت في حلقه من شدة البكاء والكسرة. وفجأة، وأثناء دوران مريم مع طارق في الرقصة، اتجهت نظرتها بالصدفة نحو النافذة الزجاجية المطلة على الحديقة الخارجية.لفت انتباهها ظل شخص يقف خلف السور في الظلام.
توقفت مريم لثانية واحدة، وضيق العروس عينها لتتعرف على ذلك الشبح الواقف في البرد. ورأته.. رأت حازم بمنظره المزرِي، بدموعه ونشيجه المكسور وهو يرجوها بعينيه من بعيد. لكن مريم لم تتأثر، ولم يرف لها جفن، ولم يتغير إيقاع قلبها.
ابتسمت ابتسامة هادئة وثابتة، ابتسامة امرأة أدركت قدرها وعرفت قيمتها، ثم رفعت يدها الناعمة المتأنقة بالإكسسوارات البراقة، ووضعتها فوق يد طارق، ومالت برأسها على كتفه بكامل الدلال والأناقة، محولة نظرها عنه تماماً لتغرق في عيني زوجها. كان تصرفها هذا بمثابة القشة التي كسر ظهر حازم بالكامل.
أدرك أن وجوده، وندمه، وبكاءه، وحتى موته، لن يغير شيئاً في واقع أنها تجاوزته إلى الأبد، وأن صفحته قد طُويت ورُميت في سلة المهملات. سقط حازم على ركبتيه فوق التراب الندي خارج السور، يغطي وجهه بيديه المرتعشتين وينحب بحرقة صامتة، بينما كانت أصوات الزغاريد والموسيقى تتعالى داخل القاعة، معلنة بداية الحياة الجديدة لمريم، وتاركة حازم يكتوي بنار خطيئته التي لا تنطفئ.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.