مرّ عام كامل على تلك الليلة التي انطوت فيها صفحة الماضي بكامل آلامها. كانت حياة مريم تتدفق بنعومة ودفء في منزلها الجديد، بيتٌ لم تكن جدرانه مجرد حجارة وطلاء، بل كانت حصناً ممتلئاً بالحب والاحترام والأمان.استقرت مريم في حياتها الجديدة مع طارق، الذي لم يزداده المضيّ في الزواج إلا دلالاً واهتماماً بها.
حافظت مريم على ذاتها، على نضارتها، ورشاقتها، وثقتها القوية التي ولدت من رحم القسوة القديمة، لكنها هذه المرة لم تكن تفعل ذلك لتثبت شيئاً لأحد، بل لأنها أحبت المرأة التي أصبحت عليها.
كانت تجلس في شرفتها المطلة على حديقة هادئة، ترتدي فستاناً ناعماً باللون الوردي المطفى، تحتسي قهوتها الدافئة، وبشرتها تتلألأ تحت أشعة الشمس الذهبية كأنها قطعة من حرير، وعيناها تفيضان بالسكينة. وفي إحدى الصباحات، تلقت مريم خبراً أضاء حياتهما بأكملها؛
كانت تحضر مفاجأة لزوجها طارق لتعلمه بأنها تحمل في أحشائها طفلهما الأول. كانت السعادة تغمرها، وتشعر بأن كل خطوة شقاء خطتها في طريقها القديم، وكل كلمة مسمومة تجرعتها، كان الله يعوضها عنها بعز لا ينتهي وحب لا يذبل.
وفي الوقت الذي كانت مريم تخطط فيه لمستقبل مشرق وأمومة هانئة، كان حازم يعيش في قاع المأساة التي صنعها بيده. تدهورت حالة حازم النفسية والصحية بشكل مريع على مدار ذلك العام. أصبح رجلاً ثلاثينياً يبدو وكأنه في الخمسين من عمره؛شعره تخلله الشيب الباكر، عيناه غائرتان تحيطهما هالات سوداء كئيبة، وجسده الذي كان يباهي به نحُل وانحنت كتفاه تحت ثقل الندم.
ترك حيه القديم بعد أن أصبح أضحوكة بين الجميع، وانتقل مع والدته إلى شقة بالإيجار في حي ناءٍ، لكن الشوارع الجديدة لم تستطع أن تبعد عنه أطياف خطيئته.
حاولت والدته بكل الطرق أن تزوجه من إحدى قريباته لتخرجه من مظلمة العزلة، وبعد إلحاح شديد وسكوت تام منه، وافق على الخطوبة رغبة في العثور على طوق نجاة، علّه يجد في غيرها ما ينسيه مريم.
وفي يوم الشبكة، كان حازم يجلس في بيت خطيبته الجديدة، رجل بلا روح، ينظر إلى الأرض بجفاء. وعندما طُلِب منه أن يلبس عروسه الخاتم، رفع عينيه الذابلتين لينظر إلى وجهها. كانت فتاة بسيطة، لكن عينيه لم تريا سوى المقارنة القاتلة.
. لم يَرَ في وجهها نضارة مريم، ولا في حضورها كبرياء مريم، ولا في عينيها بريق مريم الذي حُرِم منه للأبد. في تلك اللحظة بالذات، وبينما كانت العروس تبتسم له، تذكر حازم ليلة الهاتف المظلمة، يوم صرخ في مريم وهي مريضة: "بقيت أقرف منك.. ومفكيش ريحة الأنوثة!
".شعر حازم بغصة خناق تجتاح حلقه، وبرودة تسري في أطرافه. سحب يده بسرعة ووقف فجأة وسط ذهول الحاضرين، ونظر إلى الحضور بعينين زجاجيتين ملؤهما الرعب والحسرة. لم يستطع النطق بكلمة واحدة، بل استدار وخرج يركض من الشقة، تاركاً أمه والجميع في ذهول وصدمة.
ركض حازم في الشارع البارد، والأمطار الخفيفة تتساقط على وجهه وشعره المبعثر. كان يصرخ في سره بكاءً ونحيباً، مدركاً الحقيقة المرّة التي سترافقه حتى مماته: إنه لن يستطيع أن يحب امرأة أخرى، ولن يرى الجمال في أي وجه، لأن العقاب الأبدي الذي حُكِم به عليه هو أن يظل أسير الذكرى، أن يرى مريم في كل امرأة، وأن يذكر في كل لحظة كيف ألقى بالجوهرة في التراب لتلتقطها يدٌ تعرف قدرها.
وفجأة، توقف حازم عند تقاطع الشارع، يلهث والتعب ينال من جسده المنهك. رفعت عينيه إلى السماء والدموع تخالط ماء المطر على خديه، يعتصر قلبه ألم الندم القاتل، بينما كانت مريم في نفس هذه اللحظة تضع يد طارق على بطنها بحب حار، يبتسمان معاً لمستقبل جديد، أُغلقت فيه أبواب الماضي القاسي بالكامل، واستقرت على عتبته أحكام القدر العادلة.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.