حماتي أخدت مني العكازين وأنا رجليا الاثنين مكسورين، وأمرتني: “حتى لو هتترمي على بطنك وتتسحبي، قومي اطبخي!”. ماناكشتهاش، وفضلت على الأرض في وقت كانت واحدة من قرايبنا بتصور كل حاجة بالموبايل. بعد كام ساعة، جوزي شاف الفيديو وهو في الطيارة… ورجع قبل ميعاده بقرار هي عمرها ما كانت تتخيله. الجزء الأول — لو رجليكي الاثنين مكسورين، اتسحبي بذراعاتك! في العيلة دي محدش بيتدلع ويقعد عاطل علشان حتة جبس.
حاجّة كريمة شدّت العكازين من إيدي ورمتهم في الطرقة كأنهم زبالة. كنت قاعدة على أرض مطبخها، ورجليا الاثنين متجبسين من عند الكاحل لحد الركبة تقريباً. قدامي طاسة الزيت بتغلي على النــ,,ـــــار، وصينية طعمية وبتنجان مستنية تتقلى عشان عزومة صواني الصدقة والأكل بتاع سنوية حمايا. — أرجوكي يا حاجّة… الدكتور قال ممنوع أتحرك خالص —اترجيتها بدموعي—. مصطفى مسافر برة البلد، سيبيني أرجع المستشفى. — مصطفى مش فاضي لدلعك ومرقعتك دي!
أنا اسمي مريم، عندي أربعة وتلاتين سنة، ولسنين طويلة كنت فاكرة إن السكوت على الإهانة هو اللي بيحافظ على البيت. اتعرفت على مصطفى لما دخل بالصدفة ورشتي الصغيرة لصناعة الشموع الديكور في الحسين. كنت بادية ببيزنس صغير على قدي بفلوس استلفتها من أمي. مصطفى كان شغال مهندس برمجة في شركة إنترناشونال، ومن أول يوم كان حنين وصبور، ومختلف تماماً عن أمه.
المشكلة بدأت في اليوم اللي العيلتين اتجمعوا فيه لأول مرة. حاجّة كريمة بصت على فستاني، وشنطتي البسيطة، وإيديا اللي عليها أثر الشمع: — أنتِ بجد فاكرة نفسك هتعيشي وتفتحي بيت من شوية الشمع دول؟ —قالتها قدام الكل—. ابني محتاج ست بيت تشيل اسمه، مش واحدة بتلعب دور سيدة أعمال! مصطفى زعل ورَدّ عليها، بس أنا عملت أول غلطة غيرت كل سنين حياتي اللي بعد كده… سكتت.
وبعدها بدأت المكالمات اليومية، والتنظير على أكيلا، ولبسي، ودخلي، وحتى الطريقة اللي أمي ربتني بيها. وأنا برضه ساكتة. في الأسبوع اللي حصلت فيه الدــ,,ـــــادثة، الحاجّة قررت تعمل عزومة كبيرة في بيتها. أمرتني أنزل أجيب الخضار واللحمة والطلبات من السوق عشان أكتر من عشرين فرد من العيلة. كنت شايلة شنطل تقيلة أوي وأنا طالعة من سلم المترو، توازني اختل واتكعبلت على السلم. فقت في المستشفى ورجليا الاثنين مكسورين.
مصطفى قضى الليلة معايا، بس الصبح بدري كان لازم يسافر دبي عشان يقفل مشروع شغال عليه بقاله شهور. قبل ما يمشي باس دماغي وقال لي: — ماتعمليش أي حاجة، ارتاحي خالص. ولو أمي ضايقتك بكلمة، كلميني في ساعتها. بعدها بساعات، الحاجّة كريمة دخلت عليّ الأوضة في المستشفى: — قومي فزي. افتكرتها بتهزر… بس ماكنتش بتهزر. اتخانقت مع النبطشية والنواب، وطنش كلام الدكاترة، وأخدتني بيتها بالعافية. سحبت مني الموبايل.
وبعدها العكازين. ودلوقتي أنا بتسحب على أرض مطبخها، والزيت السخن بيطير على إيديا. — أسرعي شوية! —زعقت—. الضيوف زمانهم على وصول! في اللحظة دي دخلت داليا، بنت عم مصطفى. أول ما شافتني على الأرض اتسمرت مكانها: — طنط… أنتِ بتعملي إيه؟ — بربي واحدة كسلانة ومبتتعلمش. داليا ما نطقاش. دخلت الحمام وقفلت على نفسها كام دقيقة.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.