اتصلت بأبويا وحكيت له اللي حصل. أبويا اتنهد تنهيدة طويلة وقال لي: — يا نادين.. إحنا ما بنشمتش في المرض، ولا بنمنع نقطة دم ممكن تنقذ روح، حتى لو كانت روح خصمنا. روحي تبرعي بالدم لوجه الله تعالى، مش عشان طارق ولا عشان أهله.. عشان أصلك ونضافتك من جوة. ادخلي المستشفى اتبرعي، وتخرجي من غير ما تتكلمي مع حد ولا تسمحي لحد يستغلك. بالفعل، أخدت إجازة ساعة من الشغل وطلعت على المستشفى.
دخلت قسم ، بس قوة نفسية رهيبة. وأنا طالعة من بنك الدم ومارّة بالصدفة قريبة من الممر، شافتني شيرين. جرت عليا وهي بتبكي ، بس أنا سحبت نفسي منها ببرود وخطيت لورا. حماتي كانت قاعدة على كرسي متحرك، وشتاتها متبهدل، ووشها انكمش وكبرت عشر سنين في أسبوعين. أول ما شافتني، حركت الكرسي بإيدها المترعشة وقربت مني، ودموعها نزلت على خدودها.
. دموع انكسار حقيقية لأول مرة. حماتي مسكت طرف جاكيتتي وصوتها كان مبشوح ومكسور: — نادين.. سامحيني يا بنتي.. أنا اللي اعتديت عليكي وعلى بيتك.. أنا اللي عميت عيني الغيرة والتحكم لحد ما كنت هخسر ابني الوحيد! طارق جوة بيموت بسببي.. كان يقعد يقولي “ضمرتي حياتي يا أمي.. فضيتوا بيتي وكسرتوا كرامة نادين”.. أنا السبب يا بنتي.. بالله عليكي سامحيني وما تسيبيهوش! بصيت لحماتي وأنا شايفها على الكرسي المتحرك، مكسورة ومستنجدة بالست اللي كانت بتسميها “الموظفة المتأنعرة”.
النصر ده مكنش مبهج، كان مرير، بس أثبتلي إن الحق دايماً بيبان. قلت لها بصوت هادي جداً: — أنا جيت واتبرعت بالدم يا حاجّة عشان ربنا، وعشان الأصول اللي أبويا مربيني عليها، مش عشانكم. طارق ربنا يشفيه ويقومه بالسلامة، بس اللي اتكسر بيننا ما بيلتئمش بنقطتين دم ولا بكلمة “سامحيني”. سبتهم ومشت، ورجعت كملت يومي. طارق عدى مرحلة الخطر بفضل ربنا ثم التبرع، وبدأ يسترد عافيته ببطء شديد على مدار الأيام اللي بعدها.
بعد أسبوعين من خروجه من المستشفى، جالي إشعار من المحامي بتاعي. طارق عمل حاجة صدمت العيلة كلها؛ قام بسحب كل البلاغات وإنذار الطاعة، وقدم للمحكمة إقرار رسمي بعدم صحة اتهامات السرقة، وأقر بجميع حقوقي المالية والشرعية بالكامل من غير أي نقصان! مش بس كده.. في صباح يوم جمعة، جرس الباب رن عندنا في بيت أبويا. فتحت لقيت طارق واقف برة. أنا وأبويا اتفاجئنا من الحركة.
طارق كمل : — أنا استأجرت شقة ثانية لأمي وشيرين بعيد عن العمارة، وأمي اقتنعت وعرفت غلطها، وحلفت مش هتدخل في حياتنا تاني نهائياً ولا تحط رجلها في بيتنا إلا بطلبك وإذنك. أنا بعت أمي وأختي الحدود اللي كان لازم تتبني من سنتين، وعرفت إن طاعتي لأمي مش معناها إني أظلم مراتي وأهين كرامتها. ساد الصمت في الصالة، طارق رفع عينه في عيني وقالي بنبرة فيها رجاء وألم: — نادين.
. أنا فضيت الشقة بإيدي عشان أثبتلك إني مستعد أبدأ معاكي من الصفر، على البلاط.. شقتنا ملكك، وكرامتك فوق رأسي ورأس أي حد في عيلتي. أنا غلطت وتوهمت، والدرس كان قاسي وأكل من صحتي وعمري.. فهل فيه فرصة أصلح اللي هدمته، ولا الحساب بيننا اتقفل خلاص؟ الجزء السابع والأخير عم الصمت أرجاء الصالة، وكان صوت أنفاسي وأنفاس أبويا هو الوحيد اللي بيشق السكون. العرض اللي قدمه طارق مكنش سهل؛
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.