أول ما دخلت، رفعت عينها المجهدة وتبصت لي. النظرة مكنتش نظرة انكسار.. مكنتش نظرة حد خد درس.. كانت نظرة ست لسه شايفاني الند بالند! قربت من السرير وقعدت على الكرسي جنبها، وقلت بصوت هادي وخالي من الانفعال: بصيت لها بتفاجؤ، بس مسكت نفسي وما انفعلتش: — أنا مش جاية عشان تسامحيني أو تتأسفي لي يا حماتي، أنا جاية أعمل بأصولي وأطمن عليكي لوجه الله.
حماتي ضغطت على إيدها اليمين وصوتها بقى أشد: — الأصول؟ إنتي ما تعرفيش الأصول… إنتي خليتي ابن طارق يقف قصادي… ويطردني من بيته. بكرة لما تخرجي من هنا… هتسيب شغلك ده… وهتقعدي تحت رجلي تخدميني في مرضي ده… ده ثمن الزعل اللي سببتيهولي، وإلا… طارق مش هيفضل في ذمتك دقيقة واحدة… وهو اللي هيختار بين أمه المريضة… وبينك!
المفاجأة كانت إن طارق كان واقف ورا الباب وسمع كل كلمة قالتها أمه. سمع الاشتراطات والاستغلال اللي بتحاول تمارسه عليا حتى وهي على المرض! الباب اتفتح ببطء، ودخل طارق. وشه كان جامد، ومشاعره كانت متناقضة بين حبه لأمه المريضة وبين الحق اللي شايفه بيتداس قدام عينيه. بص لأمه، وبعدين بص لي.. حماتي رفعت صباعها المترعش وقالت لطارق: — سمعت يا طارق؟
مرتك هي اللي هتقعد بيا في بيتي وتخدم رجلين أمه اللي اتجلطت بسببها… يا إما ملهاش قعدة معاك تاني، وورقتها توصلها بيت أبوها! طارق وقف في نص الأوضة، واللحظة دي كانت هي الاختبار الحقيقي لإنسانيته ورجولته.. بصلها وقال بلسان تقيل: — يا أمي… انتِ لسه قايمة من الموت… ليه مصممة تحطين السك..ينة على رقبتي؟ الجزء الرابع ساد الصمت في غرفة العناية المركزة، صوت جهاز نبضات القلب كان هو الوحيد اللي بيشق السكون بانتظام.
طارق كان واقف في نص الأوضة، نظراته بين أمه النايمة على السرير ووشها باهت بس عينيها مليانة إصرار، وبين زوجته اللي واقفة بكرامة وثبات، مستنية تشوف الرد اللي هيحدد مصير حياتها كلها. طارق أخد نفس طويل، مسح وشه بكتفيه، وقرب من سرير أمه. قعد على طرف السرير، مسك إيدها اليمين وجرّح بصوته المكسور: — يا أمي.
. اتقي الله فيا وفي صحتك. إنتي لسه طالعة من تحت إيد الدكاترة بالمعجزة، والجلطة دي إنذار لينا كلنا إن الدنيا مش مستاهلة. ليه مصممة تحطيني في معصرة؟ ليه عايزة تخيريني بين أمه اللي شالته ورعته، وبين مراته اللي هي عرضه وسره وكرامته؟ حماتي سحبت إيدها ببطء شديد، وبصت لطارق بقسوة رغماً عن أثر الجلطة اللي باين على لسانها ووشها: — علشان تعرف.
. إن الست اللي ما تقفش جنبك وجنب أمك في محنتها.. ما تلزمكش. أنا رجلي الشمال ما بقتش تحركني يا طارق! الشلل طالني بسبابها.. عايزه تقولي إنها تقعد في بيتها مكرمة هانم بتدفع للستات بفلوس شغلاها، وأمك تنكسر وتسند على الغرباء؟ هتقعد تخدمني.. غصب عنها وعنك.. أو ترمي عليها اليمين قدامي دلوقتي! أنا كنت واقفة متسمرة في مكاني. الكلام كان زي المطرقة اللي بتنزل على دماغي.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.