توكتوك ٢

نُشر منذ 3 أسابيع
حفظ
غلاف المقال

رجعت البيت متأخر، ومراتي كانت مستناني على أعصابها أول ما دخلت وبصت في إيدي ولقيتها فاضية، سألتني بلهفة: “عملت إيه يا رمضان؟ رجعت الشنطة؟” قعدت على الكنبة واستريحت، وحكيت لها كل نقطة حصلت، من أول العينة والطفلة المريضة، لحد الجرية في الزحمة وطلعة المطار. مراتي سمعت القصّة والدموع نازلة من عينيها، وقامت بوست إيدي وقالتلي: “الله يرضى عليك يا رمضان.. الفلوس تروح وتيجي، بس دعوة أب لبنته وموقفك ده عند ربنا بالدنيا وما فيها.

” عدت أيام وأسابيع، ورجعت لحياتي العادية.. أصحى من الصبح ألف بالتوك توك عشان أجيب القوت اليومي، ونسيت الموضوع واعتبرته صفحة واتقفلت في كتاب حياتي. لحد ما في يوم، بعد حوالي شهرين، وأنا واقف في نفس الموقف اللي قابلت فيه ديفيد أول مرة، لقيت عربية سوداء فخمة جداً وراها عربية ثانية واقفين قدامي..

نزل منها راجل بلبسة رسمية ومعاه مترجم، وقربوا من التوك توك بتاعي، وسألني المترجم بصوت واضح وسط الشارع: “حضرتك الكابتن رمضان سواق التوك توك؟” بصيت للراجل اللي لابس بدلة وللمترجم اللي جنبه بنفس التوجس، وحطيت إيدي على دركسيون التوك توك وقلت بلعثمة: “أيوه يا فندم.. أنا عمك رمضان، خير فيه حاجة ولا إيه؟” المترجم ابتسم ابتسامة هادية وقال وهو بيشاور على العربية الفخمة: “مفيش غير كل خير يا عم رمضان.

. الأستاذ اللي معايا ده مستشار من السفارة الألمانية بالقاهرة، وجاي مخصوص أسوان عشان يدور عليك بناءً على طلب عاجل وشخصي من الدكتور ديفيد.” أول ما سمعت اسم الدكتور ديفيد، قلبي دَق بسرعة وسألت بلهفة ونسيت العربية والسفارة وكل الزحمة اللي حولينا: “دكتور ديفيد! خير يا رب.. البنت إيما جرى لها إيه؟ العلاج جاب نتيجة؟

هي كويسة؟” المترجم ضحك وقال: “اطمن يا عم رمضان، الدكتور ديفيد بيسلم عليك وبيرسلك أحرّ السلامات، وبيقولك إن المعجزة تحققت. العينة وصلت في الوقت المناسب بالظبط، والأطباء قدروا يستخلصوا الدواء، والطفلة إيما بفضل الله ثم بفضلك شُفيت تماماً وخرجت من المستشفى ورجعت لبيتها بتجري وتلعب!” في اللحظة دي، حسيت بقشعريرة هزت جسمي كله، وعيني اتملت دموع مش قادر أمنعها. نزلت من التوك توك وقفت على رجلي وأنا برفع إيدي للسما وبقول: “الحمد لله.

. الحمد لله يا رب.. ألف حمد وشكر ليك يا رب إنك جعلتني سبب في نجاة الروح دي.” المستشار الألماني بصلي بنظرة إعجاب وتقدير شديد، ومد إيده سلم عليا وهو بيهز رأسه باحترام، وبعدين طلع من جيبه مظروف أبيض كبير ومقفل بالختم الرسمي، واداه للمترجم اللي قدمهولي. استلمت المظروف وأنا مش فاهم حاجة، وسألت: “إيه ده يا حضرة المترجم؟

” المترجم فتح دفتر كان معاه وقال: “ده أولاً خطاب شكر رسمي ومكتوب بتوقيع وزير الصحة الألماني والدكتور ديفيد بيعبروا فيه عن امتنانهم لشجاعتك وأمانتك اللي أنقذت حياة طفلة. وثانياً.. دي الدعوة الرسمية وتذاكر الطيران وتأشيرة السفر لك ولمدام حضرتك عشان تسافروا ألمانيا الشهر الجاي لحضور حفل تكريم خاص بك في المستشفى الجامعي هناك، والدكتور ديفيد ومؤسسته يتكفلوا بكل مصاريف السفر والإقامة.” أنا اتجمدت مكاني.. سفارة؟ وألمانيا؟

وتذاكر طيران؟ أنا الراجل اللي أقصى مشوار مشيته في حياتي كان من أسوان للأقصر بالقطار القشاش! بقيت أبص للمظروف ومش مستوعب الكلام. المترجم كمل كلامه وقال: “مش بس كده يا عم رمضان.. الدكتور ديفيد عارف إنك رفضت تجازى على أمانتك ورفضت تاخد الفلوس في الشارع، لكنه قرر يترجم امتنانه ده بشكل مختلف تماماً.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
Donia Ashraf

Donia Ashraf موثّق ✦ ناشر

كاتب

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
683مقالًا 3متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة

بعد ما تبرعت روايات

بعد ما تبرعت

بعد ما اتبرعت بدم عشان أنقذ جوزي المستقبلي، لمحت اسمي مكتوب على كيس الدم جوه صندوق تبريد. …

Donia Ashraf 0.0 8 دقائق
الحلاق ابني روايات

الحلاق ابني

الحلاق بتاع ابني اللي عنده 9 سنين وطى عليا بعد ما خلص حلاقة وهمسلي لما تروحي البيت بصي ورا…

Donia Ashraf 0.0 13 دقائق