توكتوك ٢

نُشر منذ 3 أسابيع
حفظ
غلاف المقال

ركب ديفيد ورايا وشديت حزام الشنطة على صدـ,,ـــره كأنه شايل روحه بين إيديه. لمست مفتاح التوك توك، وسميت باسم الله، ودست بنزين بكل ما فيا. المــ,,ـــــوتور صرخ، والتوك توك اندفع وسط الزحمة زي السهم. كان الطريق الرئيسي لكورنيش النيل في أسوان واقف تماماً؛ عربيات ملاكي على أتوبيسات سياحية على نقل، كله زامر ومتعطل بسبب دــ,,ـــــادثة مقفلة الشارع من أوله لآخره. مكنش فيه ثانية واحدة تضيع.

كسرت الدركسيون ودخلت جوه شوارع ضيقة وحواري جانبية في منطقة “بركة الدماس” و”الشواربي”، أزقة ميعرفهاش غير ابن البلد اللي قَضى عمره بيلف فيها. ديفيد كان ماسك في الحديد بتاع التوك توك بأيد، وبالأيد التانية حاضن الشنطة، وكل ما أعدي من فتحة ضيقة بين عربيتين أو أطلع على رصيف عشان أهرب من زحمة، كان بيغمض عينيه ويكتم نفسه من الخوف. كنت أصرخ فيه بصوت أعلى من صوت المــ,,ـــــوتور: “ما تخافش يا دكتور! بنتك هتعيش بإذن الله.

. أنا حافظ الشوارع دي شبر شبر!” الشمس كانت بدأت تميل للغروب، والعقارب بتجري بسرعة مرعبة. الأنبوب الزجاجي اللي جوه الشنطة كان زي القنبلة الموقوتة؛ كل دقيقة تتأخر بتنقص من فرصة نجاح العينة وفرصة حياة الطفلة. وأنا سايق، كنت حاسس إن مش مجرد زبون راكب معايا، كنت حاسس إن روح البنت الصغيرة محطوطة على كتفي، وإني لو أتمهلث ثانية واحدة هكون خنت الأمانة من جديد.

دخلت على طريق المطار الجبلي، الشارع هناك مفتوح بس طالع لفووق وفيه ملفات خطيرة. التوك توك بتاعي غلبان ومــ,,ـــــوتوره على قد حاله، وبدأ يصدـ,,ـــر أصوات تخبيط وريحة سخونة طالعة منه. حرارة المــ,,ـــــوتور رفعت، والسحب بدأ يضعف والطلعة جبلية صعبة! ديفيد لاحظ الصوت وبصلي بقلة حيلة والدموع اتجمعت في عينيه تاني، كأن الأمل بيضيع منه على آخر كيلو مترات. قعدت أدعي بقلبي: “يا رب.

. أنت عارف إن مش طمعان في حاجة، يا رب سترتك ونفاد الحيلة.. وصلنا بالسلامة عشان خاطر البنت الغلبانة دي.” عصرت المــ,,ـــــوتور لأخر نقطة قوة فيه، والتوك توك بيترج وبيصارع المطلع، لحد ما أخيرًا ظهرت أنوار صالة المغادرة بمطار أسوان من بعيد. أول ما وصلت بوابات المطار، الأمن أوقفني لأن التوك توك ممنوع يدخل منطقة الصالات. ديفيد بص على ساعته وللصالة، فاضل على قفل أبواب الطيارة بالضبط عشر دقايق!

نزلت من التوك توك بسرعة، ومسكت ديفيد من إيده وجريت معاه وأنا بتكلم مع رجال الأمن بصوت عالي وبلهفة: “يا جماعة الراجل ده دكتور ومعاه علاج لطفلة بتمــ,,ـــــوت وطيلرته هتطير.. عدوه لله!” الضابط شاف حالة الدكتور والشنطة المفتوحة والحرص اللي فيه، فهم إن الموضوع مش طبيعي وسهّلها فوراً. ديفيد جرى ناحية سير التفتيش وصالة السفر وهو بيلتفت عليا كل خطوة، وعينيه مليانة دموع وامتنان ملوش حدود.

قبل ما يدخل من الباب الأخير للصالة، وقف وبصلي بعيد، ورفع إيده بآمال وعملي علامة النصر وهو بيصرخ بلغة مصرية مكسرة وسط صالة المطار: “شكراً يا عم رمضان.. شكراً يا أطيب رجل!” وقفت في صالة المطار وأنا باخد نفسي بالعافية، العرق نازل مني، والمــ,,ـــــوتور بتاع التوك توك بره بيطلع دخان وسخن على الأخر، بس قلبي كان حاسس براحة عمري ما حسيتها في حياتي كلها.

خرجت وقعدت على الرصيف جنب التوك توك، لا معايا الخمسة آلاف دولار، ولا الأثاث الجديد للبيت، ولا جهاز بنتي.. بس كنت حاسس إني أملك الدنيا كلها. رجعت البيت متأخر، ومراتي كانت مستناني على أعصابها أول ما دخلت وبصت في إيدي ولقيتها فاضية، سألتني بلهفة: “عملت إيه يا رمضان؟ رجعت الشنطة؟” قعدت على الكنبة واستريحت، وحكيت لها كل نقطة حصلت، من أول العينة والطفلة المريضة، لحد الجرية في الزحمة وطلعة المطار.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
Donia Ashraf

Donia Ashraf موثّق ✦ ناشر

كاتب

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
683مقالًا 3متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة

بعد ما تبرعت روايات

بعد ما تبرعت

بعد ما اتبرعت بدم عشان أنقذ جوزي المستقبلي، لمحت اسمي مكتوب على كيس الدم جوه صندوق تبريد. …

Donia Ashraf 0.0 8 دقائق
الحلاق ابني روايات

الحلاق ابني

الحلاق بتاع ابني اللي عنده 9 سنين وطى عليا بعد ما خلص حلاقة وهمسلي لما تروحي البيت بصي ورا…

Donia Ashraf 0.0 13 دقائق