لكن الصدمة الأكبر التي واجهت فريق التحقيق كانت الغياب التام لأي آثار بيولوجية تعود لرايان هاربر داخل القبو، وكأنه لم يوجد هناك يومًا. على مدار ثلاثة أيام كاملة، عمل الخبراء بلا توقف، ونجحوا في رفع أكثر من ستمائة بصمة من كل الأسطح الممكنة داخل القبو، من العلب المعدنية والجدران، إلى الأقلام وأدوات الطعام.
جميع البصمات التي تم تحديدها تعود لكاميلا وحدها، دون أي استثناء يُذكر، وكأن المكان لم يشهد وجود أي شخص آخر طوال تلك الفترة المظلمة. العثور الوحيد المختلف كان آثارًا ضبابية لقفازات قماشية على بعض الأدوات، وهي التي يُرجّح أن الرجل كان يستخدمها لتجنّب ترك أي أثر مباشر خلفه. لم يُعثر على شعرٍ لرايان، ولا على أي جزيئات من جلده، ولا حتى على متعلقات شخصية تخصه، باستثناء الأشياء التي كانت بحوزة كاميلا يوم اختفائها.
هذا خلق تناقضًا حادًا أربك المحققين، فالرواية الشفهية لا تتطابق مع الأدلة المادية، وكأن هناك فجوة غامضة بين الحقيقة وما يمكن إثباته. الفتاة في المستشفى أكدت أن رجلًا كان معها طوال الوقت، لكن الأدلة أشارت إلى شخص شديد الحذر، تصرّف باحتراف، ولم يترك خلفه أي دليل يُثبت وجوده. أما اللغز الأكبر، فقد بدأ يتكشف خارج القبو، حيث لم تكن الحقيقة مدفونة في الداخل فقط، بل امتدت آثارها إلى عمق الغابة المحيطة.
في صباح الثاني والعشرين من مارس، عند الساعة التاسعة، عثر فريق بحث مزود بكلاب تتبع على سلسلة آثار أقدام حديثة تقود من المدخل المموّه نحو نهر بوفالو. أظهر تحليل التربة أن هذه الآثار تعود لساعات قليلة قبل اللحظة التي عثر فيها الصياد جاكوب ميلر على كاميلا داخل القبو. كانت الآثار تعود لحذاء مشي ثقيل من المقاس الحادي عشر، وهو مقاس كبير نسبيًا، يوحي بشخص بالغ قوي البنية معتاد على التنقل في التضاريس الصعبة.
نمط الخطوات كان ثابتًا وهادئًا، بلا أي ارتباك أو تسرّع، ما يشير إلى أن الشخص لم يكن يهرب، بل كان يتحرك بثقة تامة في اتجاه واحد. عند ضفة النهر، توقفت الآثار فجأة، وكأن صاحبها اختفى في الهواء، أو ابتلعه الماء دون أن يترك خلفه أي دليل إضافي. هذا الاكتشاف حيّر المحققين بشدة، وفتح بابًا جديدًا من الأسئلة التي لم يكن لها أي إجابة واضحة حتى تلك اللحظة.
إذا كان هذا الشخص هو رايان، فلماذا ترك زوجته الحامل في لحظة حرجة، واختفى دون أن يأخذ أي شيء من القبو الذي أعده بعناية؟ الصمت في مسرح الجريمة كان خانقًا، لدرجة أن فرضية اختفاء الزوجين معًا بدأت تنهار تدريجيًا تحت ضغط التناقضات المتزايدة. بدأ المحققون يشككون أصلًا في وجود رايان في وادي بوكسلي خلال الأشهر الأخيرة، وكأن حضوره نفسه أصبح موضع تساؤل حقيقي.
في غرفة المستشفى، واصلت كاميلا الحديث عنه، ووصفت رجلًا كان يجلب لها الطعام والفيتامينات، ويعاقبها بالبرد، ويراقبها من الظلام. لكنها لم تُشر إليه ولو مرة واحدة باعتباره زوجها، وكأن العلاقة بينهما قد مُسحت تمامًا من ذاكرتها أو وعيها. في كل مرة كان المحقق يذكر اسم رايان، كانت تدير وجهها بصمت، وكأن الاسم لم يعد يحمل أي معنى بالنسبة لها على الإطلاق.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.