رجعت البيت قبل ما الليل يليل. الشقة كانت فاضية وسكتها تصرخ. فتحت الدولاب وأخدت الشنط الكبيرة، بدأت ألم هدومي وهدوم سلمى وأوراقي المهمة كلها: عقد الشقة، شهادة ميلاد البنت، أوراق الورث، وحتى الفواتير القديمة. حطيت كل حاجة في عربيتي ونزلتها تحت، ورجعت قعدت في الصالة منتظرة طارق. على الساعة تسعة بالليل، سمعت مفتاح الباب بيلف. دخل طارق وهو رافع راسه وبملامح كلها استعلاء وثقة، فاكر إن صمتي وموافقاتي الصبح كانت استسلام ونهاية المطاف.
بص في الصالة وشافني قاعدة بهدوء، ولابسة هدوم الخروج. ضحك بتهكم وهو بيكسر صمته:— إيه ده؟ هو إنتي لسه لابسة؟ ما جيتيش ليه السنوية مع أمي؟ طبعاً كسفتيني قدام قرايبي وعيلتي، بس كويس إنك صاحية ومستنياني عشان نعرف نتكلم في موضوع الطلاق اللي وعدتك بيه!بصيت له بثبات لمسته لأول مرة في حياتي، وقولتله بصوت واطي ومريح:— أنا ما جيتش السنوية عشان كنت مشغولة بحاجة أهم بكتير يا طارق.
.. حاجة تخصنا إحنا الاتنين. قرب مني باستخفاف وقال:— حاجة إيه دي إن شاء الله؟ فكرتي في عرضي وهتنزليلي عن جزء من الفلوس عشان أعمل المشروع وأعدلها معاكي؟وقفت ورصيت نظراتي في عينيه مباشرة:— لأ يا طارق. أنا روحت لمكتب المحامية، ورفعت عليك قضايا طلاق للضرر وتمكين، وكتبت محضر بكل تهديداتك ليا وبأنك بتحاول تستغلني وتضغط عليا بطفلتنا وبورثي.
وشه اتغير في ثانية واحدة، حمرته الطاغية تحولت لصفرة باهتة، والابتسامة الصفرا اختفت تماماً من على وشه، وكأن حد ضــ,,ـــــربه بقلَم فايق على غفلة. اتجلدت ملامحه وهجم خطوتين عليا وهو بيزعق بصوت هيستيري:— إنتي اتجننتي؟ ! إنتي بتقولي إيه؟! بتحديني أنا يا بنت صبري؟ فاكرة إن شوية أوراق ورسميات هتلوي بيا دراعي؟ والله لأحرمك من سلمى وما تخليهاش تشوف الشارع، وهحسرك على كل مليم معاكي!
في اللحظة دي، طلعت من شنطتي ورقة حطيتها على الترابيزة قدامه:— دي صورة من المحضر، والصورة التانية وصلت لقسم الشرطة. ولو قربت مني أو فكرت ترفع إيدك عليا أو تاخد سلمى مني بالقوة، هتبقى بتسلم نفسك بنفسك. ورث أبويا اللي كنت بتبص عليه كل يوم ومشاجرك علشانه، مش هتشوف منه مليم واحد… وشقتي اللي أبويا جابها عشان تلمنا، هي اللي هتقعد فيها سلمى وأنا بحكم التمكين.
الصفحة السابقة 1 2 3 ساد silence مرعب في الصالة. طارق كان بيتصلب في مكانه وهو بيقرا الورقة، عينيه كانت بتتنقل بين الأسطر ومش مصدق إن الست الهادية الناعمة اللي كان بيلوي دراعها بكلمة وصية أبوه، بقت كتلة من الخرسانة الصلبة قدامه. حاول يمسك إيدي بغضب، لكن بعدت خطوة لورا ورفعت صباعي بتحذير:— بلاش تغلط الغلطة الأخيرة يا طارق… كفاية لحد كده.
مشيت ناحية الباب وأنا شايلا شنطتي الصغيرة، فتحت الباب وبصيتله للمرة الأخيرة وقالتله:— أبويا الله يرحمه قالي حافظي على بيتك وبنتك. .. بس كان يقصد البيت اللي فيه راجل يصونها ويحترم ذكرى أهلها، مش البيت اللي فيه تاجر بيساوم على الجــ,,ـــــثه عشان شوية فلوس!نزلت السلم بخطوات ثابتة وسريعة، وسبته واقف في نص الصالة يتخنق بصدمته وصرخاته اللي كانت بتتردد في الشارع.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.