حكايات بسمه ٢

نُشر منذ شهر
حفظ
غلاف المقال

” الكلمات نزلت على حماتي زي الصاعقة. الوشوش كلها اتغيرت، والناس اللي كانت جاية تتفرج وتتضحك بقت بتبصلي باحترام شديد، لأنهم فهموا إن الموضوع أعمق بكثير من مجرد عزومة وأكل. حماتي قعدت على الكرسي ومش قادرة تتكلم، وأخو جوزي الكبير بص لمراته وقالها: “اتعلمي منها العزة والكرامة!” جوزي قام وقف جنب مني، وبص لأمه وللكل وقال: “مراتي عندها حق.. الكرامة مش بتباع ولا بشتري بطبق لحمة، والعدل لازم يكون طبع مش تمثيلية قدام الناس.

”حماتي حسّت إن كل المحاولات اللي عملتها عشان تطلع هي الضحية وأنا المفترية فشلت، وإن السحر انقلب على الساحر للمرة التانية. وقبل ما حد ينطق بكلمة ثانية، تليفون جوزي رن برقم غريب، ولما رد، ملامح وشه اتقلبت 180 درجة وقالي بصوت مرعوب: “البيت بتاعنا…!” جوزي اتسمر مكانه والتليفون على أذنه، وشه اتخطف ولونه بقى أبيض زي الطباشير.

الصالة كلها سكتت، وبقت النظرات كلها متوجهة ليه مستنيين يفهموا فيه إيه. رد بصوت بيترعش: “يعني إيه الحــ,,ـــــريقة مسكت في المطبخ؟ الشقة مولعة؟” الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة. نسيت اللحمة، ونسيت حماتي والعزومة والسفرة، ومبقتش شايفه قدامي غير شقتنا وشقا عمرنا اللي بيتأكل في النــ,,ـــــار. قمت وقفت من غير ما أحس، وجوزي شد إيدي وجرينا على بره زي المجانين، ومن ورانا أخوه وحماتي والناس كلها بتجري وراهم حالة ذهول.

طول الطريق وأنا بدعي ربنا وددموعي نازلة على خدي. نوصل الشقة نلاقي المطافي واصلة، والدخان طالع من شبابيك المطبخ والصالة. الجيران كانوا ملمومين، والمنظر كان يرعب أي حد. بعد ساعة كاملة من التوتر والخوف، رجال المطافي قدروا يسيطروا على الحــ,,ـــــريق قبل ما يأكل بقية الشقة، لكن المطبخ والجزء الأمامي من الصالة كانوا متفحمين تماماً. وقفنا أنا وجوزي وسط الرماد والدخان، حافيين وبنبص على تعب سنين وهو بيروح في لحظة بسبب ماس كهربائي في المطبخ.

جوزي قعد على الأرض وحط إيده على رأسه وهو مش قادر ينطق، ومكسور من اللي حصل. في اللحظة دي، حماتي دخلت الشقة وهي بتلهث من كتر الجري والصعود على السلم. بصت على الخراب اللي في البيت، وبعدين بصتلي أنا وجوزي. ولأول مرة من يوم ما دخلت البيت دا، أشوف حماتي بتتحرك بقلب أم حقيقي مش بتمثيل ولا عشان كلام الناس.

قربت من جوزي، رفعت رأسه وبستها، وقالتله وهي بتعيط بحــ,,ـــــرقة: “فداكم يا بني.. الفلوس والحيطان تروح ويجي غيرها، المهم إنكم بخير وأنتوا الاتنين واقفين على رجليكم.” وبعدين التفتت ليا، مسكت إيدي الاثنين بقوة، وقالتلي بصوت كله ندامة وكسرة: “يا بنتي.. يمكن ربنا بيعدل الموازين وبيفوقنا كلنا. البيت دا بيتك، والشقة دي هترجع أحسن من الأول وعلى حسابي أنا وأخوك. تعالي معايا يا بنتي، بيتي مفتوحلكوا ومش هتمشوا من عندي غير ورأسكم مرفوعة.

” ضرتي كانت واقفة ورا عند الباب، بتبص على المشهد وهي حاسة إن الأيام دارت بجد، وإن ربنا أظهر معادن الناس في أوقات الشدة. أنا بصيت للشقة المحروقة، وبعدين بصيت لحماتي اللي كانت بتترجاني بعيونها عشان أسامحها وأروح معاها، وحسيت إن الحــ,,ـــــريقة دي رغم قسوتها، أكلت معاها كل الغل والتمييز والظلــ,,ـــــم اللي كان مدفون في القلوب، لكن السؤال اللي كان شاغل بالي وأنا داخلة بيت حماتي تاني عشان أعيش فيه موقتاً: هل حماتي تغيرت بجد من قلبها بعد النكبة دي؟

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
Donia Ashraf

Donia Ashraf موثّق ✦ ناشر

كاتب

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
652مقالًا 3متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة

جوزى شالى الرحم اخبار

جوزى شالى الرحم

وأنا واقفة ورا باب أوضة العمليات، سمعت جوزي يقول للدكتور لما تنام… شيلولها الرحم. ف…

Donia Ashraf 0.0 18 دقائق
حكايات زهره الربيع 1 اخبار

حكايات زهره الربيع 1

جوزي لعب في فرامل عربيتي من ورايا ​، وتاني يوم الصبح بكل ذوق اديت مفتاح العربية لحمايا، وق…

Donia Ashraf 0.0 8 دقائق