بشرى ٤

نُشر منذ شهر
حفظ
غلاف المقال

طوال حديثه، كانت بشرى تستمع بملامح جامدة كالصخر، لم تهتز فيها شعرة واحدة، ولم تجد في قلبه أي أثر للوجع القديم؛ بل شعرت بشفقة شديدة على صغره. أبعدت الهاتف عن أذنها وقامت بتشغيل "المكبر الصوتي" (الاسبيكر) ليرتفع صوت رشاد في الغرفة، ونظرت إلى جبريل الذي التفت إليها بابتسامة هادئة وواثقة. ردت بشرى أخيرًا، بنبرة صوت باردة، حاسمة، ومميتة لأي أمل بداخلة:ـ خلصت كلامك يا رشاد؟

.. أولاً، مبروك عليك المشروع اللي واخدة بخسارة وراهن فيه شركتك عشان بس ترضي نقصك، السوق مبيحترمش اللي بينتــ,,ـــــحر تجارياً عشان "لقطة". ثانياً، الباشمهندس جبريل الجيار أكبر بكثير من تفكيرك المريض، وده شريكي اللي سندي وعرّفني قيمتي اللي إنت دايست عليها. ثم أخذت نفساً عميقاً وأضافت بكلمات سددتها كالسـهام:ـ ثالثاً وأخيراً.. بشرى اللي كانت بتتنازل عشان ترضيك ماتت ويوم ما خرجت من باب بيتك اتدفــ,,ـــــنت.

أنا دلوقتي في مكان بعيد جداً عنك وعن صغائرك، ومبقاش فيه أي مساحة في حياتي لشخص زيك. قضايا الطلاق والنفقة المحامي بتاعي هيقفلها الأسبوع ده.. وفر مجهودك وفلوسك للمشروع اللي هيقصم ظهر شركتك. وقبل أن ينطق برصاصة واحدة من ذهوله، ضغطت بشرى على زر إنهاء المكالمة، ثم قامت بحظر رقمه (Block) نهائياً. التفتت بشرى إلى جبريل، لتجده يتقدم نحوها وعيناه تشعان بفخر غير مسبوق.

وقف أمامها، ومد يده ليمسك يدها برفق وأمان، وقال بصوته العميق:ـ كنت واثق إنك أقوى من إن أي ماضي يهزك.. دلوقتي بس، نقدر نبتدي نخطط للمشروع الحقيقي اللي هيعلم على السوق كله، ومع بعض يا بشرى. ابتسمت بشرى للمرة الأولى من قلبها، وشعرت بحريتها الكاملة؛ لقد أغلقت صفحة رشاد للأبد، وفتحت ذراعيها للمستقبل بجانب رجل يعرف حقاً كيف يصون الجواهر. خرج رشاد من المكالمة وصوت صفير الهاتف في أذنه يمزق ما تبقى من كبريائه.

نظر إلى الشاشة بذهول، حاول إعادة الاتصال لكن العبارة الجافة الجاهزة صدمته: "الهاتف الذي طلبته قد يكون مغلقاً أو خارج نطاق الخدمة". لقد وضعته في قائمة الحظر، ألقت به خارج حياتها تماماً كأنه لم يكن. شعر رشاد بالاختناق، فغادر مكتبه متوجهاً إلى منزله، وهناك كانت "نهى" في انتظاره، تمسك بمجموعة من الكتالوجات وتتحدث بنبرة متعالية:ـ رشاد، كويس إنك جيت. .

أنا اخترت طقم الصالون الجديد اللي هنغير بيه الصالون القديم، وكلمت مهندس الديكور عشان ييجي يبدأ شغل من الأسبوع الجاي. نظر إليها رشاد بعيون حمراء يملأها الغل، والكلمات التي سمعها من بشرى عن "الانتــ,,ـــــحار التجاري" و"رهن الشركة" تدق في رأسه كالمطارق. صاح فيها بصوت هز أرجاء الشقة:ـ صالون إيه وديكور إيه؟! إنتي إيه مابتفهميش؟ أنا شركتي على المحك والمشروع الجديد ممكن يضيعنى ، وإنتي كل همك المظاهر والمنظرة الكدابة؟

تبدلت ملامح نهى إلى البرود والحدة وقالت:ـ جرى إيه يا رشاد؟ ما تكبرش المواضيع.. وبعدين إنت اللي اخترت، ومحدش ض. ربك على إيدك! لو مش قد الجواز ومصاريفه، كنت قعدت جنب ست بشرى بتاعتك اللي كانت راضية بالهَم!لم يتمالك رشاد نفسه، وخرجت منه الكلمة التي كانت تطبخ على نــ,,ـــــار المشاحنات طوال الأسابيع الماضية:ـ وإنتي طالق يا نهى!.. طالق بالتلاتة، وغوري من وشي ومشوفش وشك في البيت ده تاني!

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
Donia Ashraf

Donia Ashraf موثّق ✦ ناشر

كاتب

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
652مقالًا 3متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة

جوزى شالى الرحم اخبار

جوزى شالى الرحم

وأنا واقفة ورا باب أوضة العمليات، سمعت جوزي يقول للدكتور لما تنام… شيلولها الرحم. ف…

Donia Ashraf 0.0 18 دقائق
حكايات زهره الربيع 1 اخبار

حكايات زهره الربيع 1

جوزي لعب في فرامل عربيتي من ورايا ​، وتاني يوم الصبح بكل ذوق اديت مفتاح العربية لحمايا، وق…

Donia Ashraf 0.0 8 دقائق