أنا جاية أقولك حقك عليا، وجاية أطلب منك… أي مساعدة، حتى لو صدقة، عشان ولادي محتاجين! قلبي تأثر للحظة من منظرها المنكسر، بس تذكرت كل كلمة جارحة قالتها لي يوم وفـ,ـاة أبويا، وتذكرت استهزاءهم بتعب وشقى عمري وأبويا المرحوم. خدت نفس عميق، وبصيت لها وقولت بنبرة حازمة وحكيمة: — أنا مش هردك، ومش هشفّي غليلي فيكي، لأن ربنا أكبر وأقوى من الكل.
وبالنسبة لعيالك الأبرياء اللي مالهمش ذنب في طمعكم، أنا هأمر مؤسسة بابا الخيرية تصرف لهم معاش شهري ثابت يسترهم ويعلمهم، وهبعت لكم مساعدات كافية لحد باب بيتكم… بس كرماً منك، ومن غير ما تشوفي وشي تاني، ومن غير ما تطمعي في أكتر من كده. كل واحد يا فلانة بياخد نصيب اللي زرعه بإيده، وأبوكي وأخوكي زرعوا الطمع وحصدوا الندم، وأنا زرعت الصبر والكرامة وحصدت رضا ربنا وستر الدنيا.
بصت لي بصدمة ودموع الامتنان والانكسار بتنزل بغزارة، وقعدت تدعي لي بصوت عالي: — ربنا يكرمك ويعزك يا أميرة… إنتي طلعتي أحسن وأطهر بكتير ما كنا نستهال! قفلت الباب بهدوء، ورجعت قعدت على مكتبي. حسيت برِياح السلام والرضا بتملى روحي. فتحت أجندتي الخاصة، وكتبت في أول صفحة بخط كبير وواضح: “الحمد لله الذي نجاني من أهل الطمع، وأكرمني بعز النفس وكرامة الأب العظيم، وحياة تليق بملكة حقيقية.
” وما زالت الحكاية مستمرة، وأجمل ما فيها إنها بتاعتي أنا وحدي! مرت السنين، وبقت حياتي عنوان للسلام والنجاح اللي بنيته بدموع الصبر وحكمة أبويا الله يرحمه. مؤسسة بابا الخيرية بقت واحدة من أكبر المؤسسات اللي بتخدم آلاف المحتاجين واليتامى، وكل قرش فيها كان بيطرح بركة في حياتي وفي مشاريعي اللي بقت شايله اسمي بكل فخر وعز.
بقيت أصحى كل يوم الصبح، أفتح شباكي على نفس البلكونة الهادية، أشم الهوا النقي، وأشرب قهوتي وأنا حاسة بمليون نعمة ونعمة. مفيش هموم تكسرني، ومفيش حد يقدر يقلل من قيمتي تاني أبداً. الكرامة اللي اتعلمتها من أبويا بقت درعي وحصني المنيع. وفي يوم جمعة، نزلت كالعادة أزور قبــ,,ـــــر بابا. قعدت جنبه على الأرض الهادية، ونضفت التراب من على الشاهد، وابتسمت بحب واشتياق كبير، وهمست بصوت مسموع والدموع بتلمع في عيني: — أخيرًا يا بابا، القصة خلصت، والحكاية بقت كلها نور وخير زي ما كنت تتمنى وأكتر… ارتاح يا حبيبي في قبــ,,ـــــرك، لأن بنتك فضلت مرفوعة الراس لأخر يوم في عمرها!
قمت من المقابــ,,ـــــبر وأنا حاسّة بخفة طير، راجعة لبيتي وعالمي الجميل اللي صنعته بكتفي، وعارفة كويس إن اللي يحفظ كرامته ورضا ربنا، عمره ما يخسر أبداً، وإن النهايات الحلوة دايماً بتستاهل كل الصبر اللي فات.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.