وصلت عند قبــ,,ـــــر بابا، وقعدت جنبه على الأرض الهادية، ونضفت التراب، وطلعت مفتاح الخزنة والورق، وحطيتهم جنب الشاهد بهدوء، وهمست بصوت عالي والدموع بتلمع في عيني من الفرحة: — أنا جيت أقولك يا بابا… بنتك فتحت الخزنة، وبقت قوية وغنية ومش محتاجة لأي حد في الدنيا دي غيرك.. شكراً يا أعظم أب في الوجود، شكراً لأنك سبت لي إرث أخلاقي ومادي مايتقدرش بثمن!
قعدت ساعات أقرأ القرآن وأدعي له، ورجعت بيتي وأنا عارفة إن القصة دي مش بس حدوتة عادية، دي حكاية نصر لكل ست صبرت واحتسبت وحافظت على كرامتها. مرت أسابيع قليلة بعد يوم البنك التاريخي ده، وحياتي اتحولت تدريجيًا لمنعطف مذهل ومشرق مكنش أبداً في الحسبان. الفلوس والمشاريع والأوراق اللي سابها لي بابا في الخزنة السرية مكنتش مجرد ثروة مادية عادية، دي كانت طوق نجاة حقيقي وبداية جديدة قدرت من خلالها أحقق أحلام طالما أُجبرت إني أدفــ,,ـــــنها جوّاة قلبي.
أول خطوة عملتها بجدية ووعي كامل، هي إني أسست مؤسسة خيرية كبرى باسم أبويا الله يرحمه. المؤسسة دي خصصتها لمساعدة الغلابة، وتجهيز العرائس اليتامى، وتقديم رعاية صحية واجتماعية لكل محتاج في بلدنا. كنت بنزل بنفسي أتابع كل تفصيلة صغيرة وكبيرة، وكنت بشوف في عيون الناس البسطاء وهم بيدعوا لأبويا دعاء صادق من القلب، راحة وسكــ,,ـــــينة عمر ما حسيت بهم قبل كده. الفلوس لما بتنصرف في الخير وبطريقة صح، بتطرح بركة ملهاش حدود.
وفي وسط الانشغال ده كله، وتأسيس مشاريعي الاستثمارية الخاصة اللي بقت تدير أرباح ضخمة بفضل الله ثم بفضل ذكاء بابا وتخطيطه السليم، حياتي الشخصية والنفسية دخلت في مرحلة سلام تام ونقاء داخلي. بقيت أصحي كل يوم الصبح بدري، أفتح شباك بيتي الهادي، أشم الهوا النقي، وأشرب قهوتي وأنا حاسة بمليون نعمة ونعمة.
لا فيه حد بيتحكم في قراراتي، ولا فيه صوت عالي بيزعج راحتي، ولا فيه حد بيبص في لقمة عيشي ولا بيطمع في تعبي وشقى عمري. في يوم خميس بليل، كنت قاعدة على مكتبي الخاص في البيت، براجع بعض الحسابات والملخصات الخاصة بالمؤسسة الخيرية، ولقيت الباب يخبط خبطات خفيفة ومترددة. استغربت جداً! مين ممكن ييجي يخبط على بابي في الوقت متأخر نسبياً ده؟ قمت بخطوات ثابتة وهادئة، وفتحت باب الشقة بحذر.
اتصدمت لما لقيت قدامي ست شكلها مهدود، ملامحها مكسورة، وواضحة عليها علامات التعب والندم الشديد. بصيت كويس ولقيتها… طليقة أخويا، قصدي أخت طليقي السابقة! الست اللي كانت يوم من الأيام واقفة في الصالون عندي بكل غرور وتكبر بتطلب الفيلا في التجمع الخامس والعشرة مليون جنيه! وقفت قدامي مرتعشة، وبصت للأرض بصوت مكسور وضعيف وقالت: — أميرة… أرجوكِ، ما تقفليش الباب في وشي.
أنا عارفة إن ملوش أي حق أجري عليكي ولا حتى أنطق اسمك بعد اللي عملناه معاكي… بس والله العظيم أنا في كابوس ما يعلم بيه إلا ربنا. بصيت لها ببرود وهدوء تام، وحسيت إن الزمن بيلف دورة كاملة عشان يثبت إن الظلــ,,ـــــم طبعاً له نهاية، وإن جزاء الطمع أقسى بكتير مما نتخيل. سألتها بصوت ثابت وخالي من أي تعبير: — خير يا فلانة؟ جاية عندي ليه؟
وفين أخوكي وفين الفلوس والفيلا اللي كنتِ بتطلبيها؟ انهارت في العياط وقالت وهي بتعصر إيديها في بعض: — أخويا اتقهر ومبقاش فيه حيل يقف على رجله، قاعد في الشقة الإيجار القديمة، وحالته بتسوء من الندم والمرض، ومحدش راضي يبص في وشه بعد ما ضيع كل فرص حياته. وأنا… أنا جوزي طلقني وسابني بعد ما عرف إننا طلعنا من المولد بلا حمص وإن كل الكلام اللي كنا بنبنيه كان وهم في وهم، وبقيت عايشة مع عيالي في غرفة صغيرة عند ناس أطراف قريبة لينا بالعافية!
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.