ارتاح يا حبيبي في قبرك، لأن حقك وحقي اترفعت لرب السماوات والأرض، وبقيت ملكة نفسي وحياتي! قعدت جنب القبر قرابة الساعة أقرأ القرآن وأدعي له، وحسيت بنسمة هواء باردة ولطيفة بتلاعب شعري كأنها إيد بابا الطيبة اللي بتطبطب على كتفي وبتقولي: “برافو يا بنتي… طول عمري عارف إنك قدها!” قمت من مكاني، ابتسمت للسماء الصافية، وركبت عربيتي ورجعت لبيتي الهادي الجميل، وأنا عارفة تماماً إن بكرة مخبى لي حاجات أجمل بكثير، لأن اللي يبني سعادته على كرامته ورضا ربنا، عمره ما يخسر أبداً.
مرت الأيام والشهور، ودخلت في سنة جديدة حسيت فيها إن روحي بقت أخف بكتير، وكأن الشوائب كلها اتصفَت من حياتي. الشقة الصغيرة الهادية بقت مأواي وملاذي الآمن، وريحة الهدوء والحرية بقت تغطي على كل زاوية فيها. في يوم خميس بالليل، كنت قاعدة على الكنبة بقرأ كتاب في التنمية البشرية وشاربة كوباية ينسون دافية، وفجأة جاني إشعار على الموبايل برقم غريب على تطبيق الواتساب.
فتحت الرسالة باستغراب، ولقيت صورة مرفقة ومعاها رسالة قصيرة بتقول: — «أنا عارف إنك ممكن تقرأي الرسالة دي وتعملي بلوك، بس كان لازم أبعتلك دي… النهاردة نزلت اسمي في كشف المستحقين للضمان الاجتماعي، وبعد ما كنت مدير وأكبر مهندس في شركتي، بقيت واقف في طابور المساعدات. افتكرت كلامك وكلام أبوكي الله يرحمه… الطمع قل ما جمع. ربنا يوفقك ويكرمك يا أميرة.
» بصيت للرسالة بهدوء تام، ومحسيتش بأي شعور بالحقد ولا حتى الشماتة. حسيت بس بالسلام. الدنيا لما بتلف، بتدفع كل واحد ثمن اختياراته، وأنا اخترت طريقي الصح من أول خطوة. عملت بلوك للرقم بهدوء، وقفلت الموبايل، وحطيت راسي على المخدة وأنا حاسّة بنوم عميق ومرتاح ممرّش عليا من سنين. تاني يوم الصبح، صحيت ونشاط الدنيا كله في جسمي. فتحت الشباك والشمس دخلت تنور الأوضة كلها.
بصيت للسماء وقولت بصوت عالي وبابتسامة واسعة: — صباح الخير يا بابا… شكراً لأنك كنت دائماً أذكى وأطول بصيرة من الكل. كملت قهوتي، ونزلت أشتري طلبات البيت، وأنا عارفة إن القصة خلصت، بس الحكاية الحلوة لسه في أولها، وبكرة مخبي لي حاجات تفرح القلب أكتر بكتير! مرت أسبوعين على رسالة الواتساب دي، وحسيت إن الصفحة دي اتقفلت تماماً من كتاب حياتي بلا رجعة.
حياتي بقت ماشية في روتين هادي ومريح؛ شغل بشتغله لنفسي من البيت في مجال التصميم والتنسيق اللي بحبه، ونزولات خفيفة أزور فيها صحباتي المقربات، وجلسات هادية مع نفسي ومع قهوتي في البلكونة. في يوم أربع، والساعة كانت حوالي الساعة خمسة العصر، والجو برة كان بيميل للبرودة واللطافة، رن جرس الباب. استغربت جداً! أنا مكنش عندي أي مواعيد أو زيارات مرتقبة اليوم ده، ولا حتى طلبية دليفري طلبتها.
قمت من على الكنبة بخطوات بطيئة، ووقفت قدام الباب أسأل: — مين؟ جاني صوت ناعم ومتردد من برة الباب، صوت ست أول مرة أسمعه: — السلام عليكم يا مدام أميرة… معلش لو جيت من غير ميعاد، بس أنا فاعلة خير، أو تقدري تقولي… حد كان بيعرف أبوكي الله يرحمه كويس قوي، وكنت لازمة أتكلم معاكي في كلمتين مهمين مش هينفع يتفوتوا! قلبي اتقبض ثانية، ورجعت بضهري لورا.
اسم بابا لما بيتقال بالطريقة دي بيفتح أبواب ذكريات وأسرار مكنتش متوقعة أبداً تظهر تاني بعد كل الوقت ده. فتحت الباب بحذر، ولقيت قدامي ست في أواخر الأربعينات من عمرها، لابسة عباية سودا مريحة ووشاح هادي، وعيونها فيها نظرة طيبة بس مليانة قلق وارتباك. بصيت لها باستغراب وسألتها: — نعم؟ أهلاً بيكي… بس إنتي مين؟
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.