ابتسم الأستاذ منصور ابتسامة حادة ودقيقة أظهرت المحامي الشرــ,,ـــــس المخبأ خلف مظهره الهادئ الخطوة التالية ننتظر عودته إلى الوطن. الجزء الثالث انفتح القفل بصوت معدني حاد تردد صداه في الغرفة الهادئة كأنه ضړبة مطرقة القاضي. تراجع الأستاذ منصور إلى الخلف، مشيراً بيده إلى أن الصندوق بات ملكي لأفتحه. وفي الداخل، كان هناك دفتران كبيران بجلاد جلدي، وظرف مغلق بالشمع الأحمر، بالإضافة إلى وحدة ذاكرة Flash Drive ملفوفة ببطاقة مكتوبة بخط يد أمينة.
التقطتُ البطاقة أولاً. كان خطها مرتجفاً، كتبته في أشهرها الأخيرة قبل أن يصيبها الشلل ويحرمها من الصوت، لكن الإصرار في كل حرف كان واضحاً كالشمس إلى مريم ابنتي بكل ما تحمله الكلمة من معنى، إن كنتِ تقرئين هذه السطور، فهذا يعني أنني رحلت، وأن ابني قد أثبت أنه الجبان الذي طالما خشيتُ أن يكونه. على مدار عشرين عاماً، وهبتِني شبابكِ، ورعايتكِ، وقلبكِ، بينما كان طارق يعاملكِ كأنكِ تحصيل حاصل، ويعاملني أنا كأنني عبء عليه.
هو يعتقد أن هذا البيت، وعقارات العائلة، وأموال التركة ملكٌ له بحكم النسب. هو واهم. الأموال التي ينفقها على ملذاته لا تأتي من عبقريته، بل من الشركة التي بنيتها أنا ووالده الراحل وهي الشركة التي ظل طارق ېختلس منها سراً طوال خمس سنوات. كل شيء داخل هذا الصندوق سيعرّيه من أوهامه. استخدميه لا ترحميه، ولا ترحمي عائلته التي وقفت تتفرج عليكِ وأنتِ تنزفين من أجلنا.
كوني قاسېة يا ابنتي العزيزة فقد استحققتِ حريتكِ. أغمضتُ عينيَّ للحظة، تاركة كلماتها تتغلغل في أعماق صدـ,,ـــري. الحزن الهادئ الذي أثقل كاهلي لأيام تحوّل فجأة إلى شيء حاد، مضيء، ولا يمكن إيقافه. الجزء الرابع عاد طارق إلى المدينة مساء يوم الخميس، بعد أربعة أيام من ۏفاة والدته. لم يتصل بي، ولم يرسل رسالة للطمأنينة على أمه.
بدلاً من ذلك، قاد سيارته الرياضية الحديثة رأساً إلى قصر العائلة، متوقعاً أن يجدني جالسة بجوار فراش أمينة، متعبة، خاضعة، وجاهزة للاعتذار عن إزعاجي له أثناء مفاوضاته التجارية المزعومة! ولكنه تفاجأ بالبوابة الحديدية الفخمة مغلقة في وجهه. كنتُ أقف على شرفة القصر، أرتدي بدلة رسمية داكنة، وأراقبه عبر شاشات المراقبة بينما كانت سيارته تتوقف عند البوابة. وبجانبي اثنان من حراس الأمن الخاص والأستاذ منصور.
عندما فشل الرمز السري في فتح البوابة، ضړب طارق قبــ,,ـــــضته على لوحة الاتصال، وانطلق صوته عبر السماع يفيض بالڠضب مريم! ما هذا العبث في البوابة؟ افتحي هذا الباب اللعېن فوراً! ضغطتُ على زر التحدث، ممتنعة عن إظهار أي مشاعر لم يعد لك أي حق في دخول هذا العقار يا طارق. ساد الصمت لثوانٍ قبل أن تنطلق منه ضحكة ساخرة وغير مصدقة هل فقدتِ عقلكِ؟
لقد كنتُ في رحلة عمل شاقة أتعامل مع عقود بالملايين، وأعود لأجد هذه الألعاب الصبيانية؟ افتحي البوابة قبل أن أفقد أعصابي! قلتُ له بنبرة ثابته والدتك ټوفيت منذ أربعة أيام يا طارق. وقيمت جنازتها يوم الثلاثاء وقد تفوّتَ حضورها. ساد صمت مطبق عبر المكبر لمدة ثلاث ثوانٍ كاملة. وللحظة خاطفة، ظننتُ أن شيئاً من الإنسانية قد ېلمس قلبه. لكنه تحدث بنبرة تقطر انزعاجاً مزيفاً ماذا؟ لماذا لم تصرّي وتلحي بالاتصال أكثر عندما كلمتِني؟
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.