اللي استحملت عشاني ج1 بقلم نرمين عادل همام

نُشر منذ يوم
حفظ
غلاف المقال

للي استحملت عشاني بقلم نرمين عادل همام بعد تلات أسابيع بس من ولادة بنتنا، كانت مراتي قاعدة على ركبها في حوش بيتنا في شبرا، بتغسل كافولات قديمة في طبق مليان مية ساقعة، وإيديها بتترعش من البرد والتعب، وأمي واقفة فوق راسها بتزعق فيها كأنها واحدة شغالة عندها، مش مرات ابنها وأم حفيدتها! — انزلي على ركبك يا بت، واغسلي الكافولات دي كلها قبل ما تقومي من مكانك! إنتِ فاكرة نفسك قاعدة في فندق أبوكي؟

طول ما إنتِ تحت سقف البيت ده، يبقى تسمعي الكلام اللي يتقالك من غير مناقشة! الساعة كانت اتنين وربع بعد نص الليل، والبرد في الشارع كان قارس، والهوا بيخبط في الشبابيك القديمة ويصفّر بين جدران البيوت المتلاصقة. وأنا كنت قاعد جوه عربيتي، راكن قدام البيت، ماسك الموبايل بإيد، والتانية مقبوضة على الدركسيون لدرجة إن صوابعي وجعتني.

كنت فاكر إني شوفت من أمي حاجات كتير قبل كده، وكنت دايمًا بحاول أبرر لها تصرفاتها، وأقول لنفسي إنها ست كبيرة، وإنها يمكن غيرانة من اهتمامي بمراتي، وإن الأيام كفيلة إنها تغيّرها. بس اللي شوفته الليلة دي خلاني أكتشف إني كنت غبي. غبي لأني صدقت كل مرة قالتلي فيها إن يارا مش بتسمع الكلام، وإنها مدلعة، وإنها بتتعمد تضايقها، وإنها مش مقدّرة إننا فاتحين لها بيتنا.

رفعت عيني لشاشة الموبايل، وحسيت إن قلبي بيتعصر جوا صدـ,,ـــري. يارا، مراتي اللي مكملتش تلات أسابيع من ولادتها القيصري، كانت قاعدة على الأرض الباردة، لابسة بيجامة بيت خفيفة، وشعرها الأسود لازق في وشها من العرق، وملامحها شاحبة بشكل يخوّف. كانت لسه بتتعافى من العملية، وكل حركة بتعملها كانت بتوجعها، وكنت فاكر إنها طول اليوم في أوضتها بترتاح، زي ما أمي كانت بتأكدلي في كل مكالمة. لكن الحقيقة إنها كانت بتتعذب في صمت.

قدامها طبق غسيل كبير، مليان كافولات قديمة، والمية اللي فيه ساقعة لدرجة إنها كانت بتسحب إيديها كل شوية من شدة الوجع، وبعدين ترجع تغمسها تاني لما أمي تزقّ فيها بكلمتين. سمعت صوت يارا وهي بتحاول تتكلم وسط شهقاتها: — يا حاجة فاطمة، والنبي ارحميني شوية. أنا لسه عاملة عملية، وجرحي بيوجعني أوي. والله مش قادرة أقعد كده أكتر من كده.

مي، الحاجة فاطمة، كانت واقفة قدامها بعباية شتوي تقيلة، وعلى كتفها شال صوف، وفي إيدها كوباية شاي سخنة بتطلع منها أبخرة. بصتلها من فوق لتحت، وردت باستهزاء: — عملية إيه اللي وجعاكي من تلات أسابيع؟! هو إنتِ أول واحدة في الدنيا تولد قيصري؟ ستات زمان كانوا بيولدوا ويقوموا يطبخوا وينضفوا تاني يوم، إنما جيلكم ده كله دلع في دلع! يارا بلعت ريقها بالعافية، وحاولت تسند ضهرها على الحيطة.

— يا حاجة، أنا مش برفض أساعدك، بس أنا مش قادرة أقف على رجلي. وبعدين الكافولات دي قديمة أوي، والبنت جلدها لسه حساس، والدكتور قال لازم نهتم بنضافتها ونغيّر لها باستمرار. أمي ضحكت ضحكة سخيفة، وهزت راسها باحتقار. — الدكتور قال! الدكتور قال! هو الدكتور اللي هيدفع تمن البامبرز؟! إنتِ عارفة العلبة بكام دلوقتي؟! ولا إنتِ فاكرة إن الفلوس بتطلع من الحيطان؟

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
Donia Ashraf

Donia Ashraf موثّق ✦ ناشر

كاتب

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
652مقالًا 3متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة

الحلاق ابني روايات

الحلاق ابني

الحلاق بتاع ابني اللي عنده 9 سنين وطى عليا بعد ما خلص حلاقة وهمسلي لما تروحي البيت بصي ورا…

Donia Ashraf 0.0 13 دقائق
قبل فرحي ب ساعتين روايات

قبل فرحي ب ساعتين

قبل فرحي بساعتين، أمي رجعت من الكوافير لابسة طرحة على راسها، وعينيها مليانة دموع. خطيبي بص…

Donia Ashraf 0.0 5 دقائق